فى أقرب نقطة من أبواب السماء – ماديا – فهما الآن معلقان بين السماء والأرض ، فى رحلة العودة من أقرب نقطة من أبواب السماء – معنويا – حيث أنهيا مناسك العمرة فى العشر الأواسط من رمضان ، نعم إنها سويعات وتصافح عيناى عيناهما ، لحظات ستسرى فيها قشعريرة تنفض جسدى – أعرفها تماما – عندما أراهما من بعيد ، أحاول أن أتخيل نورا إضافيا يضاف لوجهيهما – بعد العمرة خصيصا – أشعر أننى لن أستطيع النظر ، قد تتلف عيناى من النور ، لكننى لن آبه إذا احترق جسدى كله حتى وسأرتمى فى أحضانهما مقبلا : وحشتونا جدا .. حمد لله على السلامة .
والدى ..
ذلك الرجل الربعة ، فى وجهه سمرة وحمرة ، قل لى كيف يجتمعان لا أدرى ، عيناه ليس لها لون واحد ، إنما لونان أيضا ، خضراء ساجية حين تغيب عنها الشمس ، زرقاء صافية حين تشرق عليها الشمس ، صباه قضاه نابها ومبرزا فى الكتاب وفى المدرسة وحتى فى الكلية ، ملامح صوره تحمل كثيرا من نظرات "الشقاوة" التى لم تخرج عن الأطر يوما ما ، وعندما بلغ الأربعين لحية يتضارب فيها الأسود بالأبيض بالمحنى ، لا أدرى لماذا تجعل وجهه كوجه ليث أبىّ ، فمنذ أن كان فى عمرى تمنى أن يكون محاربا ، قدم أوراقه فى الكلية الحربية قبل الحرب بشهور قليلة ، ومع أول أيام الدراسة كانت أول أيام الحرب ، تمنى بكل قوة أن يدركها ، فلا عجب إذن أن ابنه عندما بلغ سنه واستأذنه فى الخروج إلى غزة ، قال : اذهب ، فنصبك جهاد ، وموتك – هناك فقط – يكون شهادة ، وما علمت رجلا على وجه الأرض يومها يقول لابنه تلك الكلمات .
والدتى
بعيدة مهوى القرط هكذا وصفت من قديم ، لا أخال أننى رأيت امرأة تتناغم جزيئات وجهها الأشقر مع بعضها البعض بهذا النسق الفريد ، أذكر أننى كنت فى الخامسة عندما التقطت صورة لفتاة رائعة الجمال يتدلى شعرها طويلا على صدرها مربوطا بشرائط ذهبية ، فظننتها ريفية إسبانية ، عفوا غربية ، لم أكن أعرف إسبانيا ساعتها ، وعندما ذهبت بها لأمى ، ضحكت ضحكتها الماتعة وقالت : هذه أنا فى سن الخامسة عشر .. ريفية غير ساذجة ، متربية فى أحضان الدعوة ورعيلها الأول ، أصغر إخوتها فكانت سند والدتها حين الشدة ، حين يعتقل الوالد تسع من السنين ، حينها تصمد وتتربى تربية فريدة ، تربية بنت أبى بكر التى تسميت باسمها .. فلا عجب إذن أن ابنها عندما رأت السجان يأخذه أمام عينيها ، من بين أحضانها ، لم تولول ، ولم تذرف الدمع حتى ، أن تقول : اذهب فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، اذهب ولا تنس : اللهم اكفنيهم بما شئت وكيف شئت ، وما علمت امرأة على وجه الأرض ساعتها تقول لابنها تلك الكلمات .
بيتنا
بيت صغير على أطراف الريف ، أى على أطراف المدينة أيضا ، أقضى فيه الطفولة الأولى ، الابن الأول ، الذى يأخذ كل الدلال ، وكل الحزم ، فيوما سيصبح الأخ الأكبر ، لم أكمل عامى الخامس وكنت على معرفة واسعة بالسوق ، وبالبائعة المفضلة التى أشترى منها الطماطم " وش القفص" كل يوم قبل السابعة صباحا ، إنها طنط منصورة ، أما عم جلال فصاحب الفول والطعمية ، لا أقف عنده أقل من ساعة حتى تستطيع أن تصل إليه يدى الصغيرة أو أن يميز صوتى بعد أن يُبَح بين أصوات المتزاحمين ، أما فى المدرسة فلم أكن أعرف أن : لكل شىء إذا ما تم نقصان ، لعل هذا هو السبب الذى جعلنى أبكى فزعا ، وأصرخ لأمى عندما حصلت لأول مرة على علامة أقل من النهاية بدرجة واحدة : ماما لقد رسبت اليوم فى الامتحان !
انتقلنا إلى القاهرة مبكرا ، على حد قول أبى ، فإنها الخطوة الأولى التى اتخذها ليضمن لنا مستقبلا مختلفا عما كان ينتظرنا فى الزقازيق ، وقد كان محقا ، الزهراء ، هى المدينة التى سكتنها ، وهى المدرسة التى قضيت فيها ابتدائيتى واعداديتها ، وفاطمة الزهراء هو المسجد الذى شببت بين أروقته ، وهو الشارع الذى لعبت بين عماراته ، وطويته طيا بعجلات درجاتى المسرعة .
مجتمع جديد غريب ، جعلنى دائما فى افتقار إلى أسرتنا التى تزايد عددها إلى سبعة أفراد ، كنت أكثرهم تمردا ، ودائما عندما كنت أصل بالتمرد للذروة أعود فأسأل نفسى لماذا أعود ، فلا أدرى ؟ ، قوة سرية ، تنبع من نظرة عينه الغاضبة ، ومن نظرة عينها اللائمة ، تجعل أعتى الأفكار فى رأسى تتحطم على باب بيتنا ، أنساها تماما لأستمتع بدفء وراحة وجمال ليس له مثيل خارجه ، هنا كل شىء فى تناسق تام ، لا تضع هذه على تلك ، ولا تلك على هذه ، كل شىء له مكان مخصص ، نغير الأماكن كل فترة ، فى الصيف وفى الشتاء ، فى الأجازة وفى الدراسة ، لا تكاد تشعر بالملل ، نرتاد فى كل عطلة مكانا جديدا ، ندوام أحيانا عليه فترة ثم نتركه لمكان آخر ، ونعود فنحن إليه ، ورغم أنه كان هناك دائما من يفسد اليوم فى آخره ، وننال جميعا حظا وافرا من النهر والشخط إلا أنه كان جميلا .
لو ظللت أسرد الذكريات هكذا لفاتنى موعد الطائرة ، عفوا سأضطر أن أقول أننى – وبرغم كل ما فات – لم أكن مقدرا لكما حق التقدير ، عرفت قيمتكما أكثر وأكثر ، عندما أفردت هناك وحيدا حبيسا عن الدنيا بأكملها ، عندما كان طعامكِ الشهى يصلنى يوميا فأهوى على الطبق أقبله لأنى أعلم أن يداكِ كانت هنا ، وعلى زجاجة المياة ألثمها لأنى أعلم أن يداكَ كانت هنا أيضا .. عندما وصلت أول رسالة مكتوب أعلاها : ابنى الحبيب اصبر واحتسب ، عندما التأمت بجسدك يوم أن خرجت ، ودموع فرحكَ تحكى قصة عذاب طيلة ثمانية عشر يوما ، وقبلات ثغركِ تلثم كل جزء فى جسدى تريد أن تطمئن عليه ، وأنى لى أن أرى ذلك إلا منكما .
وعرفت قيمة ما ربيتمانى عليه عندما سافرتما وتركتماننا ندير البيت بأنفسنا .. البيت الذى لم تتركانه يوما منذ ثلاثة وعشرين عاما ، عندما أستيقظ من نومى فأجدنى أنظم هذا وأهندم ذاك ، أساعد آية ، وألاطف منة ، أسامر معاذ ، وأنصح أنس ، أحاول أن أفعل كل ذلك ، وأجده شاقا ومجهدا ، لم تكن سهلة تلك التربية ، تربية لا تكافئها إلا رحمة فى الدارين .. رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا ..








21 رمضان, 1430 10:34 ص