هل يؤلم البشرَ الفراق ؟
لا شك أنه يؤلم أكثرهم .. قد يكون بعضهم سعيدا بذلك ، وهذا البعض يسعد فى حالة واحدة ، وهى أن يكون بائس فى اجتماعه بهم فيقع عليه الفراق موقع الفرح والبشر .. لكن غالب الأحوال أنه يؤلم .
لماذا يؤلم الفراق ؟
هل لأن الناس تجبر عليه ؟ .. أو تضطر إليه اضطرار المكره ؟ ، أم لأنها فقط تعبر عن شكواها من تحمل أعباء جديدة للتآلف مرة أخرى مع أناس يحلون محل من فارقوهم ؟ ، أم أنها تعبر - بألمها ذلك - عن حالة الخوف من المجول الذى سيأتى حتما ليملأ الفراغ الذى نتج عن الفرقة ، فقد يُملأ حسيا ( ببشر آخرين ) ، أو معنويا ( بذكريات وحنين إلى البشر الأولين ) ؟
سأدع آلة العقل تعمل قليلا ، تبدأ فتقول : إن التعرف على شخصيات جديدة أمر جيد ، وحتى على افتراض أنه لا فراق ، فإن العاقل من يبحث دائما عن الأفضل ، فكما لا يمكننا التمسك بالوظيفة المريحة إذا وجدنا ما هو أكثر منها راحة فإن تجديد البشر من حولنا قد يكون أمرا مفيدا إذا قربنا من الغاية ، إذن فالألم النابع من تبعة التعرف على أشخاص جدد وإحلالهم فى الحياة محل السابقين ، لهى شكوى عيية !
إذن هل هو الخوف من الفراغ المجهول ، لا يملك عقلى أيضا إلا أن يسخر منى : وأين الشجاعة والإقدام ، وأين ثلاثية الحياة " التغيير - التحدى - التعلم " ، والتغيير لا يكون إلا لشىء مجهول فى البداية ، والتحدى لا أواجه به شيئا أحطت بعلمه سلفا ، والتعلم دائما يكون لما أجهل من أمور .. ونعم من بلاد وعباد .. عادات وبيئات .. وهلم جرا .
إذن هل توقف عقلى الآن قليلا وهو يجيب عن التساؤل الأول ؟ ، هل يألم الناس لأنهم أجبروا على ذلك ؟ ، لكنه لا يلبث أن ينطلق : بالطبع كل عمل جبرى ينطوى على نسبة عالية من الألم مهما كان نفعه ، لكن ماذا لو لم يكن مجبرا ، إنه فقط مكره أو مضطر ؟؟
عند آخر سؤال بالفعل بدأت دوائر النفس تنفتح لملفات العقل ، ما الذى يجعل الناس تضطر للفراق ؟ ، فضلا عن أن تكره عليه أو تجبر ؟ ، الإجابة الأسرع : أن الفراق يكون من طرفين ، ويتوزع الاضطرار والخيار على الطرفين لنصل إلى ثلاثة نتائج : إما اضطرار الطرفين ، وإما اضطرار طرف واحد ، وإما باختيار الطرفين .
إذن ما الأشد إيلاما فى الثلاثة أحوال ، أظن أن الاتفاق فى الاضطرار أو الخيار قد يخفف من حدة الألم ، والأخف منهما أن يكونا مختارين ، ولكن هذه الحالة نادرة الحدوث ( أن يتألم الطرفين باختيارهما ) ، والأشيع أن يختار طرف ويضطر طرف آخر .
فالألم هنا أخذ فى الانحسار شيئا فشيئا إلى أن انحصر فى المجبر على الفراق وطرفه الآخر مختارا ( ومن باب أولى أن يضطر الطرفان ) ، وهنا يأتى التساؤل ، ولم لا يحول كل مجبر على الفراق موقفه إلى الاختيار لا الاضطرار ؟
ولكن كيف ( وبدأت النفس تثور ) كيف أعلم أن حبيبتى مفارقتى وهى مختارة ثم أصبح أنا الآخر مختارا ، كيف أرى سفر صديقى ضربة لازب ثم أدَّعى أننى مختار ؟ كيف أرى النوَى فى عيون من حولى ، كل وأيامه ، كل وأحلامه ، التى تفرقت بعد أن كان تجمّعُها يكوِّن حلمى الوحيد ، ثم أجعل من هذا الفراق خيارا ؟
والحقيقة أن هذا الفراق لا ينطبق على الأشخاص فقط ، بل يمتد ليشمل كل ما فى الحياة ، والحياة نفسها ؛ نعم فإن مفارقتى للحياة نفسها أريد أن تكون خيارا ! ، مع أن الموت هو الأمر الجبرى الأوضح فى هذه الدنيا ، ولكن ما دام الإنسان ستقبض روحه لا محالة ، فلم لا يقدمها هو ، فعندما أجد نفسى أعبر العقد الخامس من عمرى أعتقد أننى لن أستطيع أن أنتظر الموت ، ولا حتى أن أستمر فى العمل منتظرا الموت ، ولكنى سأنطلق - بإذن الله - بحثا عنه فى الجبهات التى لن تعدم الأمة منها ما دام فيها عرق ينبض .
الحقيقة أيضا أننى بالفعل أشعر الآن أننى أفضل ، أشعر أننى أفضل لأن حبيبتى ( وإن كانت مفارقتى رضيت أم لم أرضى ) جعلت فراقها لى خيارا ، فبمساعدتى استطاعت الآن أن تفارقنى وتبدأ طريقا جديدا بعد أن وضعت قدميها على أوله ، و أن صديقى أيضا جعلت فراقه خيارا ، أى أن سفره لم يكن متوقفا على ، كان آت لا محالة ، لكنه لم يتم - على أرض الواقع - إلا بمساعدتى ، فأصبح خيارا أستمتع ببعضه الآن ، حتى مشروعى الذى بنيته قبل أن يأمر أحدهم بقبره ، سارعت أنا وأخفيته تماما كى أستطيع إعادته يوما ما ، وأظل طوال مدة فراقه مختارا
وفى النهاية فإن غربة الناس من حولى ، أخيرا قررت أن تكون خيارا ، إنى مفارقكم !











12 جمادى الثانية, 1430 05:12 م