بعد صلاة الفجر ، بنصف عين أضبط منبه الهاتف على الثامنة إلا ربع ، لأسيقظ فى موعدى الذى هو الثامنة والربع ، لأضغط ما حقه أن ينجز فى 40 دقيقة إلى أقل من نصف وقته ، وضوء سريع ، ألمح بعده وجهى فى المرآة آسفا على تلك المجزرة الصباحية لتلك الرقيقات الصفراوات منها والسوداوات النابتات برشاقة على لحيى ، أشيح عنه مع مناداة أمى للفطور حتى لا أسقطة من جدول الصباح هو الآخر أنتهى سريعا ، أحزم الحاسب الشخصى ، الكاميرا ، الكتاب ، حشروا جميعا فى حقيبة يدى وانطلقت قدماى تلتهم كل ما يقابلها هبوطا وصعودا
الوقت الذى يمكننى أن أتوقف للتفكير قليلا هو الذى أمضيه فى انتظار المواصلات ، لأننى لم أعد أفكر فى أفضل الوسائل والطرق تناسبا مع الوقت للذهاب حيث أقصد ، فهو طريق واحد ، وهى وسيلة واحدة ، تأتى فى موعد تخلفه بدقائق خمس مبكرة أو متأخرة ، إذن ففيم التفكير ، لا أعتقد أنه فى تقسيم وقتى اليوم ، ولا ترشيد ميزانيته ، ولا فى ضبط المواعيد الكثيرة التى على جدولى ، ولا أظنها فى تحضير الكلمة التى سألقيها هناك ، أو الطريقة التى سأعرض بها أمرا على هذا أو ذاك ، لا أعتقد أنه فى الهم الذى أحمله على من هم خلفى ، فليس خلفى الآن إلا عمود إنارة طويل أحاول أن أميل برأسى مع ظله الذى يتحرك قليلا على الأرض كى لا تشتعل مع حرارة الشمس والتفكير معا .. إن كل ما أفكر فيه هو الرثاء لحالى ، لحرية الأفكار فى رأسى ، لانطلاق الأعمال بين يدى ، لإدارتى لنفسى التى تلاشت إلى حد بعيد ..
جاءت الحافلة ، أسرع إليها فلن يكون هناك إلا ثلاثة مقاعد خلفية متاحة ، أجلس على أحدها ، أستفتح بالآيات المسطورة ، وأظل أرتل ، إلى أن أصل للآيات المنظورة ، عندما أصل للقلعة يظل بصرى بها عالق بل ومتلفتا إليها إذا صارت خلفى ، مع أننى أراها ومن هنا كل يوم ، فيحسبنى من بجوراى سائحا أو غريبا ، وتمضى سياحة العيون إلى ميدان صلاح الدين حيث السلطان حسن والرفاعى ، إلى شارع شيخون ، حيث قصر طاز ومساجد شيخو وتغرى بردى وصرغتمش وابن طولون ، ووقفة هادئة فى ميدان السيدة حيث الناس على كل شاكلة ، وهنا أبدأ فى التجهز للنزول بعد قطع هذا الشارع .. أيوه يا اسطى الملف معاك .
"حديقة دار العلوم" أول لافتة تلامس عينى مع ملامسة قدمى الأسفلت ثانية ، أكرر مع رؤيتها كل صباح : وما كل نفس حين تلقى حبيبها تسر .. ولا كل الغياب يضيرها
نعم يا دارى لا أسر إذا أخفقت أن أثبت فيك غرستى أبجد ، سنواتك الأربع لا يتذكرها قلبى إلا بكل حسرة على وحدته إلى نهايتها بل وبعد ما نتهيت ، وينتهى سور الحديقة ، أمر الشارع سريعا لأستلم أول شارع عائشة التيمورية تلك المرأة المنفردة فى عصرها بل وعصرنا ، سهل أن تعرف أول الشارع المتفرع من القصر العينى ، أول من وصف لى العنوان قال لى أن على ناصيته سوبر ماركت "الزهراء" ، أبتسم عندما أراه فلا تنفك مدينتى أن تلاحقنى أيينما ذهبت تحاول أن تقول لن تذهب بعيدا ، ما يلبث الشارع أن ينتصف بعد ثلاث دقائق حتى تقابلك الحواجز والمصفحات ، الدروع والحراسات ، ينظرون إليك فى اليوم الأول بتوجس لكنهم ما أن يألفونك حتى يشعروك أنك واحد من هؤلاء المهمين فى جاردن سيتى ، الذين من الواضح أنهم كلهم مرصودين من جهات إرهابية ، على أية حال هى ثلاثة دقائق أخرى تعيشها كشخص مهم قبل أن تدخل لباب البناية السامقة ترتفع فى مصعدها بعد أن تدع الله ألا تركب معك إحداهن من فائحات الروائح الذكية ، يتسقر فى الطابق الثامن ، أرمق اللوحة الفاخرة ذات الثلاثة أحرف "TRT" مزيلة بالثلاث كلمات " راديو وتلفزيون تركيا " أقرع الجرس قرعة خفيفة ، يفتح لى ذلك الرجل الصيب الخلوق ، ويسير خلفى إلى أن أصل لمكتبى ، حيث ألقى حقيبتى وأخرج أتنفس هواء هذا الصباح ، حيث أننى ليس لى فى قاموسى قهوة للصباح .
سأمكث هنا لثمان ساعات أخرى ، أقرأ الأخبار ، أكتب التقارير ، أجرى الحورات ، أمسك بالمايكروفون وأقف أمام الكاميرات ، أستمع إلى تندر زملائى على المدير التركى ، أهرع إليه عندما أسمع اسمى من خلف باب مكتبه ، أتلقى اتصالات هاتفى طوال اليوم بالاعتذار لهذا وتلك عن كافة مواعيدى ووعودى ، أحاول أن أفهم أولائك الآخرين المهاتفين لى مهنئين أن يدعوا الله لى برفع البلاء ، لا يفهمون حقا ما أنا فيه .. أسرح بعد كل مكالمة من هؤلاء ، أواه لو ينظروا إلى هذا المنظر البديع الذى أراه من شرفة مكتبى السماء المفتوحة والنيل الرحيب والمراكب السيارة ، لم أكن أتوقع يوما أن أرى هذا المنظر كل صباح ولا يكون على أن أفعل أحد أمرين ، إما أن أهاتفها قائلا : صباح الحب حبيبتى ، وإما أن ألقى بذلك الجسد الذى فقد قلبه فى ذلك النيل ، أسفا حرمت من الأولى ، وجبنت عن الثانية ، فأنا غريم الحب والثورة معا ..
أهوى بكلتا يدى قابضا على سور الشرفة الحديدى ، مطلقا رأسى فى الهواء ، أى أناس هؤلاء الذين يظنون أن حياة كهذه تستحق أن يهنئونى بها ، هم نفسهم الذين لم يهنئونى بأى إنجاز حقيقى قمت به ، إنجاز للأمة بالفعل ، وليس ليقال بأنه يعمل ، وى إن راتبه كذا ، تبا لتلك المجتمعات الصنمية ، إنى عائد لسيرتى الأولى إنى مرغم غير مغرم ، إنى آت حبيبتى ، إنها حياة مقتطعة ، تستطيع خلالها أن تغير خطط اللعبة ، أن تعيد ترتيب فريقك ، أن تعدل أولوياتك ، أن تعيد فهم خصمك ، لكنك لن ترى أيا من لاعبى المدرب الطالب للوقت المقتطع يحرك ساقا أو يقدم قدما ، لن ترى منهم أى فعل إلا بعد أن تستأنف المباراة ، إلا بعد أن ينتهى وقته المقتطع ، كل ما يأمله فقط أن ينتهى وقته المقطع هذا قبل نهاية المباراة بوقت مناسب ..
الوقت الذى يمكننى أن أتوقف للتفكير قليلا هو الذى أمضيه فى انتظار المواصلات ، لأننى لم أعد أفكر فى أفضل الوسائل والطرق تناسبا مع الوقت للذهاب حيث أقصد ، فهو طريق واحد ، وهى وسيلة واحدة ، تأتى فى موعد تخلفه بدقائق خمس مبكرة أو متأخرة ، إذن ففيم التفكير ، لا أعتقد أنه فى تقسيم وقتى اليوم ، ولا ترشيد ميزانيته ، ولا فى ضبط المواعيد الكثيرة التى على جدولى ، ولا أظنها فى تحضير الكلمة التى سألقيها هناك ، أو الطريقة التى سأعرض بها أمرا على هذا أو ذاك ، لا أعتقد أنه فى الهم الذى أحمله على من هم خلفى ، فليس خلفى الآن إلا عمود إنارة طويل أحاول أن أميل برأسى مع ظله الذى يتحرك قليلا على الأرض كى لا تشتعل مع حرارة الشمس والتفكير معا .. إن كل ما أفكر فيه هو الرثاء لحالى ، لحرية الأفكار فى رأسى ، لانطلاق الأعمال بين يدى ، لإدارتى لنفسى التى تلاشت إلى حد بعيد ..
جاءت الحافلة ، أسرع إليها فلن يكون هناك إلا ثلاثة مقاعد خلفية متاحة ، أجلس على أحدها ، أستفتح بالآيات المسطورة ، وأظل أرتل ، إلى أن أصل للآيات المنظورة ، عندما أصل للقلعة يظل بصرى بها عالق بل ومتلفتا إليها إذا صارت خلفى ، مع أننى أراها ومن هنا كل يوم ، فيحسبنى من بجوراى سائحا أو غريبا ، وتمضى سياحة العيون إلى ميدان صلاح الدين حيث السلطان حسن والرفاعى ، إلى شارع شيخون ، حيث قصر طاز ومساجد شيخو وتغرى بردى وصرغتمش وابن طولون ، ووقفة هادئة فى ميدان السيدة حيث الناس على كل شاكلة ، وهنا أبدأ فى التجهز للنزول بعد قطع هذا الشارع .. أيوه يا اسطى الملف معاك .
"حديقة دار العلوم" أول لافتة تلامس عينى مع ملامسة قدمى الأسفلت ثانية ، أكرر مع رؤيتها كل صباح : وما كل نفس حين تلقى حبيبها تسر .. ولا كل الغياب يضيرها
نعم يا دارى لا أسر إذا أخفقت أن أثبت فيك غرستى أبجد ، سنواتك الأربع لا يتذكرها قلبى إلا بكل حسرة على وحدته إلى نهايتها بل وبعد ما نتهيت ، وينتهى سور الحديقة ، أمر الشارع سريعا لأستلم أول شارع عائشة التيمورية تلك المرأة المنفردة فى عصرها بل وعصرنا ، سهل أن تعرف أول الشارع المتفرع من القصر العينى ، أول من وصف لى العنوان قال لى أن على ناصيته سوبر ماركت "الزهراء" ، أبتسم عندما أراه فلا تنفك مدينتى أن تلاحقنى أيينما ذهبت تحاول أن تقول لن تذهب بعيدا ، ما يلبث الشارع أن ينتصف بعد ثلاث دقائق حتى تقابلك الحواجز والمصفحات ، الدروع والحراسات ، ينظرون إليك فى اليوم الأول بتوجس لكنهم ما أن يألفونك حتى يشعروك أنك واحد من هؤلاء المهمين فى جاردن سيتى ، الذين من الواضح أنهم كلهم مرصودين من جهات إرهابية ، على أية حال هى ثلاثة دقائق أخرى تعيشها كشخص مهم قبل أن تدخل لباب البناية السامقة ترتفع فى مصعدها بعد أن تدع الله ألا تركب معك إحداهن من فائحات الروائح الذكية ، يتسقر فى الطابق الثامن ، أرمق اللوحة الفاخرة ذات الثلاثة أحرف "TRT" مزيلة بالثلاث كلمات " راديو وتلفزيون تركيا " أقرع الجرس قرعة خفيفة ، يفتح لى ذلك الرجل الصيب الخلوق ، ويسير خلفى إلى أن أصل لمكتبى ، حيث ألقى حقيبتى وأخرج أتنفس هواء هذا الصباح ، حيث أننى ليس لى فى قاموسى قهوة للصباح .
سأمكث هنا لثمان ساعات أخرى ، أقرأ الأخبار ، أكتب التقارير ، أجرى الحورات ، أمسك بالمايكروفون وأقف أمام الكاميرات ، أستمع إلى تندر زملائى على المدير التركى ، أهرع إليه عندما أسمع اسمى من خلف باب مكتبه ، أتلقى اتصالات هاتفى طوال اليوم بالاعتذار لهذا وتلك عن كافة مواعيدى ووعودى ، أحاول أن أفهم أولائك الآخرين المهاتفين لى مهنئين أن يدعوا الله لى برفع البلاء ، لا يفهمون حقا ما أنا فيه .. أسرح بعد كل مكالمة من هؤلاء ، أواه لو ينظروا إلى هذا المنظر البديع الذى أراه من شرفة مكتبى السماء المفتوحة والنيل الرحيب والمراكب السيارة ، لم أكن أتوقع يوما أن أرى هذا المنظر كل صباح ولا يكون على أن أفعل أحد أمرين ، إما أن أهاتفها قائلا : صباح الحب حبيبتى ، وإما أن ألقى بذلك الجسد الذى فقد قلبه فى ذلك النيل ، أسفا حرمت من الأولى ، وجبنت عن الثانية ، فأنا غريم الحب والثورة معا ..
أهوى بكلتا يدى قابضا على سور الشرفة الحديدى ، مطلقا رأسى فى الهواء ، أى أناس هؤلاء الذين يظنون أن حياة كهذه تستحق أن يهنئونى بها ، هم نفسهم الذين لم يهنئونى بأى إنجاز حقيقى قمت به ، إنجاز للأمة بالفعل ، وليس ليقال بأنه يعمل ، وى إن راتبه كذا ، تبا لتلك المجتمعات الصنمية ، إنى عائد لسيرتى الأولى إنى مرغم غير مغرم ، إنى آت حبيبتى ، إنها حياة مقتطعة ، تستطيع خلالها أن تغير خطط اللعبة ، أن تعيد ترتيب فريقك ، أن تعدل أولوياتك ، أن تعيد فهم خصمك ، لكنك لن ترى أيا من لاعبى المدرب الطالب للوقت المقتطع يحرك ساقا أو يقدم قدما ، لن ترى منهم أى فعل إلا بعد أن تستأنف المباراة ، إلا بعد أن ينتهى وقته المقتطع ، كل ما يأمله فقط أن ينتهى وقته المقطع هذا قبل نهاية المباراة بوقت مناسب ..






وأظل كل ذلك الوقت جالسة على مكتبي لم افعل شيئا قط )



26 ذو القعدة, 1430 05:04 م