وقفت السيارة بنا وسط منطقة فسيحة تحيط بها المبانى من كل الجهات ، وقال هنا معسكر جباليا ، بيت الشيخ الذى تطلبون هو أحد هذه البيوت لا أتذكر إن كان هذا أو ذاك ، شكرنا الرجل بحفاوة ودفعنا له عشرة شيكلات كاملة ونحن فى غاية الارتياح من المبلغ الزهيد ( فالمسافة التى قطعناها فى مثل هذا الوقت لم يكن يقبل منا أى سائق مصرى أقل من 50 جنيها ) ، ونزلنا نتفقد البيوت والشوارع ، وأخذنا نصور كل شىء حولنا البيوت والجدران والحجارة والأطفال والأعلام ، كل شىء من حولنا مختلف ، وأمامنا مربع سكنى فى مدخله عدد من المصدات الأسمنتية التى بدا عليها أثر الرصاص والنيران واضحا ، فيبدوا أن هذا المربع مهم وشهد إطلاق نار كثيف فى وقت ما .
تجاوزنا المربع ببنايتين لنقف أمام المسجد المستقر فى وسط الميدان ، كان ضخما وفسيحا وبرغم أنه لم يكن قد تمت أعمال البناء فيه فقد بدا مهيبا ، إنه مسجد الخلفاء ، وهو يقبع فى وسط منطقة الخلفاء بجباليا ، لقد اشتهر هذا المسجد وارتبط اسمه منذ البداية بذلك الشيخ الجليل الذى نقصد بيته اليوم ، فهل نشرف بأن نسمع منه خطبة الجمعة اليوم لا نعرف ، فقد دخلنا المسجد ولم نلبث أن توجهنا للوضوء حتى ارتقى الإمام المنبر وسمعت ذات الصوت الذى يحمل نبراته الخاصة به ، ثم بدأت النبرات تتغير شيئا فشيئا وأنا لا أتبين إن كان هو أو أحد أبناءه مثلا ، أو أن كلهم هنا يحملون منه الكثير إلى هذه الدرجة ، وقد كان التوقع الأخير هو الواقع ، فالخطيب لم يكن الشيخ نزار ، ولا حتى أحد أبنائه وبرغم ذلك فإن صوت الخطيب ورسمه يكاد يكون هو هو .
وخرجت كلمات الخطبة وأحرفها على النحو الذى تخيلت ، فعندما ينطق الرجل بالجهاد أو الاستشهاد كانت نفسى تنتفض انتفاضا ، وعندما يتوعد وينطق باليهود كانت عروقى تستعر ثورة ، وعندما يحذر ويندد بالخيانة والعمالة كان الوقع شديدا مريرا ، وعندما أنظر يمنة ويسرة إلى وجوه الناس ، لا أنظر نظرة المقت والحنق من أناس يستمعون كل جمعة إلى نفس الكلام ثم يقومون مسرعين متنافسين على عربة البطيخ المستقرة أمام المسجد ، ولكن أناس يكفى أن تنظر إلى أعينهم لترى فيها العزة ، أن ترى أيديهم لتحس فيها بدماء الشهادة والجهاد ، أناس ينتهون من الخطبة ليقوموا إلى رباطهم ، وإلى سلاحهم ، وإلى حياة قائمة على شرع الله ، فى وجه الطغيان فى أرض الله ، وانتهت الخطبة على هذا النحو ، وانقضت الصلاة ، وقمنا لا ندرى من نسأل وكيف نسير ، فتوسمنا الخير فى الخطيب وتوجهنا إليه ، وما إن جلسنا إليه وأخبرناه بأمرنا حتى بش ورحب بنا ونادى على أحدهم وأوصاه بنا وبأن يوصلنا إلى حيث نريد .
خرجنا مع الأخ عيسى أبو عبيدة وقد كان شابا ملتحق بالجامعة الإسلامية بغزة وتبدوا عليه ملامح النبل إلى جانب حديثه الودود ، عطف بنا عيسى إلى المربع الذى توقفنا عنده فى أول الأمر ثم دلف منه إلى شارع صغير ووقف أمام منزل فيه مكون من أربعة طوابق ثم أخذ يطرق الباب ، فخرج له صبى صغير سأله
وين جدك يا إبراهيم
جدى مو هون
ووين أبوك : بوى فى العريش هو واعمامى
طيب ماش دير بالك على اخوتك يا زلمة
يائسين انصرفنا من أمام البيت يحاول الأخ عيسى أن يتفهم منا سبب الزيارة وهل يمكن أن يقوم بالواجب بدلا منه ، لكننا حاولنا ألا نثقل عليه وقررنا أن نهاتف السائق الذى أوصلنا – وكان قد ترك لنا رقم هاتفه – حتى نعود معه من حيث أتينا بعد أن يذهب بنا غلى بعض الأماكن فى غزة ، وحتى يأتى السائق كان أمامنا بعض من الوقت فوقف معنا الأخ عيسى ، وبدأ يسألنى عن علاقتى بالشيخ نزار وابنه بلال .
فى غمرة فوز حماس فى الانتخابات التشريعية قدم إلى مصر عدد من قايداتها وكان منهم محمود الزهار ومحمد نزال ومشير المصرى وأسامة حمدان وغيرهم ، وقد كنت حريصا أشد الحرص على حضور المؤتمرات التى يدعون لها وكان معظمها فى النقابات أو المنظمات المدنية ، وفى يوم من هذه الأيام دعيت لمؤتمر فى نقابة المحامين فسألت عن الشخصية التى ستحضره من حماس ، فقالوا لى : الدكتور نزار ريان ، وكانت هى المرة الأولى التى أسمع عن فيها هذا الاسم ، المهم أننى ذهبت إلى النقابة قبيل المغرب فى الوقفة التى تسبق المؤتمر وكانت حاشدة ، والكلمات النارية تلتهب منذ ساعة حتى جاء موعد كلمة حماس ، وإذا برجل طلق وجهه مهيب جسده ، عذب محياه ، رائع بيانه ، تحمل نبراته رنة غير عادية ، مع موجاتها المترددة تكلم فسكت الجميع ، وهتف فكبر الجمع ، وظلت أبصار الناس متعلقة بمحياه ، وأسماعهم مرهفة بنبراته إلى أن انتهى ، وحمد وأثنى ، وسلم .
فى ذلك اليوم تعرفت أكثر على الشيخ نزار حيث اتضح أن صديقا لى هو الذى سيوصله بسيارته إلى المكان الذى ينزل به فى القاهرة ، فصممت أن أركب معه السيارة التى لم يكن بها مكان أصلا ولكننى أصررت حتى ركبت فوق أحدهم فى المقعد الخلفى ، وكان الشيخ نزار يركب فى المقعد الأمامى بجوار صديقى وظللت طوال الطريق أسئله عن كل شىء يحدث فى غزة وعن الأحداث والناس والحياة والجهاد ، والرجل يجيب ويفيض حتى إذا انتهى بنا المسير لم تنته الكلمات ، ولم يرتوى الظمأ ، فسألته عن سبل المزيد فقال خذ هذا رقم هاتف بيتى وهاتف ابنى بلال وهذا بريده الإلكترونى تواصل معنا وسنحدثك بكل ما تريد .
هذا كل شىء يا أخ عيسى ، كنت فقط أريد أن أرى بعينى ما حدثنى عنه الشيخ نزار ، فضحك أبو عبيدة قائلا : هذا كل شىء ، إذن لا تقلق ، سأجعلك ترى كل ما حكى لك وأكثر ، فتعجبت قليلا فكيف له أن يعرف ما الذى أريد أن أرى ، ولكن عيسى كان قد انشغل لتوه عن تساؤلاتى وبدأ يجرى بعض الاتصالات بأصدقاء له ، قائلا سأكون مرشدكم فى الجولة السياحسة التى تريدونها ، وسنأخذكم إلى أكثر الأماكن جذبا للسياح فى غزة ، قال صاحبى متسائلا : سنذهب إلى المسجد الأموى ، حاول عيسى أن يكتم ضحكة بدأت أفهم مغزاها : بالطبع بالطبع ، ولم نلبث على حالنا هذا حتى حضر أبو جميل بسيارته وركبنا جميعا .
على عكس المتوقع توجهت السيارة إلى شرق جباليا ، أى اتجهت نجو الحدود الإسرائيلية وبعد مدة يسيرة طلب عيسى من أبى جميل أن يتوقف ، وكان المكان عاديا جدا ، مجرد شارع وبيوت حوله ، ولكننا بعد أن توقفنا صعد بنا عيسى إلى تلة مسورة بسور شائك له بوابة حديدة كانت شبة مغلقة ، تعامل مباشرة مع أقفالها وخلال دقائق كنا نجول فى المكان نكتشف أننا فى قلب معسكر .. معسكر قسامى .









16 محرم, 1430 12:45 ص