الخميس 24 يناير 2008 ، أول يوم في إجازة نصف العام .. آخر إجازة نصف عام لي ..
هو أيضا أول يوم لافتتاح معرض الكتاب وهو أيضا ... لا لا .. يكفي هذين الحدثين لكي يكون يوما عصيبا بالنسبة لي .
هو يوم عصيب من حيث الذكرى ، ولكنه أيضا سيكون عصيبا من حيث الواقع ، فافتتاح جدول أعمال الإجازة ليس بالأمر الهين ، لذا قررت من أول اليوم ، أن أتجاهل الذكرى تماما ، وأن أهتم بالواقع أكثر ، على الأقل حتى تغرب الشمس .
فعلت كل التدابير اللازمة لذلك ، لم أنظر في النتيجة وأنا خارج من باب البيت ، لم أرتدي ما كنت أرتديه في هذا اليوم ، لم أذهب إليها كما كنت وعدت قبل هذا اليوم ، خرجت من بيتي وأنا على شفا حفرة من نار ، أدعو الله بالنجاة منها ، خرجت وأنا أربط يدي على جرحي لِألا ينفتح ..
كان اللقاء الأول لقاء عمل ، في أحد الأماكن التي لا تحمل جدرانها أي ذكري تبرِّحُني ، في أحد الأماكن التي لا يحمل أصحابها أي خناجر مسمومة ينكأون بها جرحي .
وبعد سويعات ، وقد شارفنا أنا ورفعت وشلبي على الانتهاء من العمل ، كان في المكان من هم من أصحابهم ، ولست علاقة قوية بهم .. المهم انتهينا ، وتحادثنا قليلا ، وانزويت أنا لأطمئن على الجرح ، وانزووا هم يتهامسون مع أحدهم في بعض شأنه .
دقائق قليلة وكنا في طريق واحدة إلى مكان ما ، قال لي رفعت بنبرته الفكاهية المعهودة : إلحق دا قالّها .
- قالها !
- آه قرر إنه يقول لها اليوم .
- كيف ؟ لقد كان بعيدا عن هذا الموضوع تماما .
- لا أعرف أحس بأنه لن يطيق صبرا ، فقال لها ، " أنا عاوز اتقدم لك " .
طأطأت برهة قبل أن أدير برأسي لأنظر إلى صاحب الشأن الذي كان يسير برفقة شلبي على بعد خطوات خلفنا ، وإذا بعينيه سهمين نافذين من الذكرى والألم تصيبني إصابة محققة ، وضعت يدي على قلبي ، رفعتها أمام عيني ، ملئى بالدماء ، توقف السير ، رجعت أقدامي خطوات ، اتكأت يداى على مقعد قريب ، انفجر الدم من كل مكان معلنا انفتاح الجرح ، انبثقت الدماء تصرخ بصيحات كل هذه الأيام ، انطلقت تصرخ " حالة حب " ، تعلن " موت حلمي " ، تشعر " إحساسان في آن " ، تندب " ليست معي " ، تستسلم " غريم الشجن " .. انطلقت لا تلوي على شيء تهتك كل الضمادات التي أحكمتها على الجرح منذ الصباح .
نعم هذا هو اليوم الذي قررت أن أخبر الناس أن " حلمي " هو حلم لي ، نعم هو أول يوم في إجازة نصف العام الماضي ، نعم هو يوم افتتاح المعرض الحالي ، ذاك الزمان وذاك المكان الذي قررت أن أخبر فيه " حلمي " نفسه بأنه .. حلمي أنا .
عاما كاملا والجرح يزداد عمقا ، وأنا لا أزيد عليه إلا ضمادات وبنّا ، واليوم انفتح .. واليوم انفجر
فجرته أنت أيها الفتى ، نظرات عينك لها وأنت تخبرها ، نظرات عينها لك وهي تسمعك ، تذكرني .. تهددني .. تصرخ في وجهي .. تشدق سمعي .. تلهب ظهري .. تثني رمحي .. تكسر سيفي .. تُسقط سيفي ..
لا أدري ما أقوله لك .. هل أثنيك إشفاقا عليك ، هل أهنئك وأشد على يديك ، هل أسلمك فأسي لتحارب بها أصناما حتما سيزرعها المجتمع في طريقك ، لكن فأسي كسيرة ، ليست مكسورة ولكنها كسيرة ، أنا مقتنع أنني أحمل فأسا قوية .. قوية للغاية ، ولكن قد تكون يدي هي الضعيفة ، أو أن أصنامي عنيده ، نعم قد تكون يدك أشد مني بأسا ، أو أصنامهم أخف عليك وطأة ، لا أعرف أأعطيكها ، أم أحتفظ بها لنفسي كي لا تخذلك كما خذلتني .. لا أعرف .
لا تنظر إلى هذه النظرات ، نصيحتك ليست معي ، ليست معي ، فأنا مجروح ، أنا مثخن في جراحي ، أنا الآن لا أرجو أملا ، ولا حتى أحس ألما .
النذيف ما زال مستمرا ، قد هوت قدم في الحفرة ، والأخرى توشك على الهويان .. ولكن يلقي الله بحبائل نجاته ، ترفعني بعيدا عن النيران ، تتوقف الدماء عن الفوران ، مع أن الجرح ما زال مفتوحا ، ماذا حدث ، الذي حدث أن المواطن العرايشي ذكرني على الهاتف لتوه أنني على موعد مع الثورة ، أن آن الأوان كي أنتقل من مستنقع هذا الحب ، إلى قمم تلك الثورة ، آن الأوان كي يعوضني الله عن دمائي التي نزفت حبا ، بدماء جديدة تتدفق في عروقي ثورة .
نعم كنت على موعد عند غروب الشمس مع رحلة إلى الأرض الحبيبة ، إلى الأرض الثائرة ، إلى أرض التي حطم أصحابها كل صنم للذلة ، ورفعوا فيها كل صرح للعزة ، كنت على موعد مع غزة .










27 محرم, 1429 10:15 م