الدنيا زحام في زحام ، العين قد سدت بالأحياء والأشياء ، والأذن قد غصت بالأصوات ، والنداءات " أيوه يا بيه كلو عندي هنا " ، " أيوه يا باشا أي ساعة بعشرة جنية " ، " أيوه يا مدام عندي الشنطة والساعة والحزام " !
نعم إنه سوق العتبة ، نزلت إليه مع أحد الأصدقاء لشراء حاجيات له ، لم يكن عندي مانع أن أشاركه الشراء ، فأنا ينقصني ساعة فعلا ( وربنا يخليلنا ساعة الموبايل ، بس برضه أهي منظرة ) ، ولم أبتاع حتى الآن نظارة الموسم ، التي أغيرها كل كام شهر ( ليس ترفا ولكن هي نضارة بعشرين جنية في الموسم ، ولا نضارة بتمانين تقعد على وش الواحد خمس سنين ، التغيير حلو ) .
عندما اقتربت من إحدى عارضات ( فتارين لحد يفتكر حاجة غلط ) النظارات ، ولمحت إحداها ، وبعد الاستحسان ( والوقع واللذي منه ) راودني شعور داخلي غريب ، أن هناك مانع بيني وبين أن أشتري أي نظارة ، قرار قد زورته في نفسي ، ولكنني لا أتذكره الآن ، ولا أعرف سببه ، حاولت أن أصرف نظري
- إيه مش عاجباك ولا إيه ( قال صديقي مناولني إياها ) .
أمسكت بها كسابقاتها ، ووضعتها على عيني .. طلبت المرآه من صاحب النظارات وأنا يمتلكني الرعب من لا شيء ، وعندما وقعت عيني على صورتي في المرآة .. تذكرت كل شيء .
خلعتها مباشرة .. ألقيت بها إلى الرجل .. طلبت من صديقي المغادرة .. لم أستمع إلى كل عبارات الاستحسان منه ، ولا من البائع اللحوح الذي يصر على أنها بضاعة مفيش زيها في السوق ...
نعم ، قد تذكرت ساعتها ، في آخر مرة اشتريت فيها نظارة ، عزمت ألا أقدم على شراء أخرى حتى تكون معي .. تقول لي رأيها فيها ، فقد لا تعجبها ، قد اشتريت خمس من قبل ولم آخذ رأي أحد فيها ، وكنت أتحسس من عيون الناس كيف أبدو ، ولكن بالتأكيد لو كانت معي سوف تقول لي كيف أبدو ..
ولكن هي ليست معي ، ولا سبيل إلى الوصول إليها الآن ، فهل سأبقى كذلك .. لا أمارس أي شيء في الحياة إلا وأحس أنها ليست معي ، لا يمر علي فرح إلا وأحس أنها ليست معي ، ولا حزن إلا وهي ليست معي
هي لم تكن معي يوما من الأيام أصلا ، إذا فلماذا أفتقدها الآن ، لماذا تبخر أمامي كل الناس في سوق العتبة لأن أحدا منهم ليس هي ..
ولكن من هي أصلا ، حتى هذه الإجابة ليست معي ! .. أهي فتاة الثانوية الشقراء التي درست معها ، سلبت لبى وقلبى ، وأبحث عنها الآن بكل رغبة فى اللقاء ن ورهبة من الفراق ؟
أهي زميلتي في الكلية التي أشبهتها ، ثم تقطعت بي السبل دون خطبتها ؟
أهي الفتاة التي أراسلها على النت وأعجب بتدويناتها وأتخيل في كل تدوينة تسطرها كيف تكون هذه الفتاة ، وكيف يكون اللقاء ؟
أهي الفتاة التي قابلتها أول أمس في الميكروباس وحاولت أن آخذ رقم هاتفها ، لما هتف بها قلبي ، ولم يستطع لساني ؟
.. من هي ، وأين هي ، أهي روح حلت زمانا في أسماء الزبير ، وفاطمة سعد من قبل ولم يحن حلولها في إحداهن إلى الآن .. من هي .. لم يعد يهمني من هي ، الذي يهمني ،الذي يهمني أنني في أشد الاحتياج إليها الآن ، أنني أريدها معي ..
لذي يهمني أنها ليست معي .. ليست معي ، وما دمتِ لستِ معي ، لن أشتري النظارة .. لن أسطر على جهازى الجديد إلا حروف الشجن ، لن أبالي بذهاب أرواق امتحاناتي إلى كنترول أولى أو ثانية أو ثالثة ، لن أهنأ بالإجازة ، ولن آسى على الدراسة ، لأنك .. لأنها .. ليست معي !













01 محرم, 1429 08:49 م