أبو القسام

كل ما يختلج مشاعري .. يجول في خاطري .. أسطره هنا بحبر أحمر يتلوَّن حبا .. يتدفق ثورة

في مئوية " حلمي "

مرت كسِنة أو كسَنة لا أدري ، ولكنها مرت ، كل العجب أنها مرت ، وما زال هواء الناس يتردد إلى صدري الفينة بعد الفينة ، مرت مائة يوم على فراقه ، لقد مات ، وإن لم تكن موتته هي ضجعة القبر ، فإنها أقسى ، إنها ما يطلق عليه الموت الإكلينيكي ، قد يعود للحياة في أي لحظة ، بنسبة واحد من عشرة في المائة ، وساعتها سأصبح أسعد مخلوق ، ولكنني قد أتبرم من ذاك العذاب الإكلينيكي ، فأقضي عليه - وهو ميت - فأصبح أتسع مخلوق ، لأنني شاركت في إذهاق روحه ولو بواحد من عشرة في المائة .
 
لقد كان حلمي أقرب مخلوق لقلبي في الوجود ، وأعرفهم لنفسي ، وأصبرهم على دربي ، لقد عاش معي قرابة الخمس سنوات من عمري ، يأكل مما آكل ، ويرتوي مما أرتوي ، بل ويتنفس مما أتنفس ، إذا غفوت رأيته في رؤاي ، وإذا صحوت وجدته في المرايا
حينما كنت أشعر بالحب ، كان هو الحبيب ، الذي أتقرب بالحب إليه ، وحينما أشعر بالثورة كان هو الوقود الذي يضرم النيران في عروقي اليابسة كالهشيم
ظللنا على ذا الحال مدة من الزمان معي في كل وقت ، ولكن أراه وحدي ، ولا يراه الناس ، يظنون أنه بعيد عني ، وما هو عني ببعيد
حتى أتى اليوم الذي تقرر فيه بقوانين الحب والثورة أن أخرجه من عالمي إلى عالم الناس ، فعلت كل ما هو ممكن ومستحيل ، لإنجاز هذه المهة ، وصلت وجلت شهورا ، أقنع هذا وذاك ، بأنه صاحبي في دنياي ، ومؤنسي في وحشتي ، أنه شريكي في نجاحي ، ومزودي في حياتي ، ولكن جاء اليوم الذي ضاق بي الناس حتى قالوا " فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون " ، وكانت المحاكمة
 
في يوم كأربعاء أمس ، في مشهد لن تمحه لحظات السعادات الأرضية مهما طالت أو قصرت أمام عيني ، خرجت وحلمي والشمس إلى حتفيهما ، رنت إليها فوجدتها حبلي مآقيها ، فنظرت إليه فوجدته واجما لا حراك فيه وكأن النزع قد أصابه ، فاختبل عقلي ، وشردت نفسي مني ، في الصحراء الممتدة من تحت عيني ، وأمامي شيخان من القضاة يقررون مصيره ، وهو في الحقيقة مصيري أنا ليس غيري .
 
ها يبني قدامك حلين إنك تخسر أبوك ، أو تخسر البنت ، داه في كفة ، وديه في كفة ، يالا قدامك ، الـــ .... ، عشان لو ... ، يعني .. ، ماهو .. انت .. هي .. احنا ..
 
وكانت كلمات كالصاعقة على أذني ، خرقت طبلتيها ، فلم أعد أسمع بعدها كلماتهما ، و بملئ قوتي ، وبيد واحدة أطحت بذاك الميزان ، وبكفتيه ، وحامليه ، وإذا بالحب ينفخ في أوداج الثورة ، و الثورة تنفخ في أبواق الحب : حلمي مات .. حلمي مات .. مات 
وهو جالس بجواري لا يمتد إليه بصري ليتحرى ، ليقبله قبلة الحياة ، أو حتى قبلة الموت ، يهرب إلى السماء ، فلا يجد إلا الشمس تغرق في بحار الفناء الأبدي ، عندها تمتد يده ، وتلمس يديه الباردتين ، لا فيهما حرارة من حب ، ولا من ثورة .
 
يرمق الشيخين بعين ذبلت فيها معاني الكلم ، أي بنت وأي والد ، انتم لا تعلمون شيئا إنه حلمي أنا الذي يوجد به كل من أحبهم أبي وفتاتي ، إخوتي وأخواتي ، ليست هناك كفة وكفة ، ليس هناك ميزان ، ليس هناك إنسان ، أو مخلوق ، لي كـ " حلمي " ، دفنتوه معي ، دفنته معكم لا يهم ، شكر الله سعيكم
 
وبعد أن انقضت مئويته ، فإن كراسي العزاء التي هيئتها من أمس لم تزل فارغة ، لم يأتني أخ حبيب ، أو صديق عزيز ، ليعزني فيمن كان عزائي الوحيد فيه أنه إكلينيكيا قد مات ... فأنا بانتظاره ما أبالي .. أنا بانتظار عودته .. أنا باتظارك 


أضف تعليقا

hosamaldins من مصر
11 شوال, 1428 05:06 م
اني معك واحس بك جدا ياأخي في الله