مرت كسِنة أو كسَنة لا أدري ، ولكنها مرت ، كل العجب أنها مرت ، وما زال هواء الناس يتردد إلى صدري الفينة بعد الفينة ، مرت مائة يوم على فراقه ، لقد مات ، وإن لم تكن موتته هي ضجعة القبر ، فإنها أقسى ، إنها ما يطلق عليه الموت الإكلينيكي ، قد يعود للحياة في أي لحظة ، بنسبة واحد من عشرة في المائة ، وساعتها سأصبح أسعد مخلوق ، ولكنني قد أتبرم من ذاك العذاب الإكلينيكي ، فأقضي عليه - وهو ميت - فأصبح أتسع مخلوق ، لأنني شاركت في إذهاق روحه ولو بواحد من عشرة في المائة .
لقد كان حلمي أقرب مخلوق لقلبي في الوجود ، وأعرفهم لنفسي ، وأصبرهم على دربي ، لقد عاش معي قرابة الخمس سنوات من عمري ، يأكل مما آكل ، ويرتوي مما أرتوي ، بل ويتنفس مما أتنفس ، إذا غفوت رأيته في رؤاي ، وإذا صحوت وجدته في المرايا
حينما كنت أشعر بالحب ، كان هو الحبيب ، الذي أتقرب بالحب إليه ، وحينما أشعر بالثورة كان هو الوقود الذي يضرم النيران في عروقي اليابسة كالهشيم
ظللنا على ذا الحال مدة من الزمان معي في كل وقت ، ولكن أراه وحدي ، ولا يراه الناس ، يظنون أنه بعيد عني ، وما هو عني ببعيد
حتى أتى اليوم الذي تقرر فيه بقوانين الحب والثورة أن أخرجه من عالمي إلى عالم الناس ، فعلت كل ما هو ممكن ومستحيل ، لإنجاز هذه المهة ، وصلت وجلت شهورا ، أقنع هذا وذاك ، بأنه صاحبي في دنياي ، ومؤنسي في وحشتي ، أنه شريكي في نجاحي ، ومزودي في حياتي ، ولكن جاء اليوم الذي ضاق بي الناس حتى قالوا " فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون " ، وكانت المحاكمة
في يوم كأربعاء أمس ، في مشهد لن تمحه لحظات السعادات الأرضية مهما طالت أو قصرت أمام عيني ، خرجت وحلمي والشمس إلى حتفيهما ، رنت إليها فوجدتها حبلي مآقيها ، فنظرت إليه فوجدته واجما لا حراك فيه وكأن النزع قد أصابه ، فاختبل عقلي ، وشردت نفسي مني ، في الصحراء الممتدة من تحت عيني ، وأمامي شيخان من القضاة يقررون مصيره ، وهو في الحقيقة مصيري أنا ليس غيري .
ها يبني قدامك حلين إنك تخسر أبوك ، أو تخسر البنت ، داه في كفة ، وديه في كفة ، يالا قدامك ، الـــ .... ، عشان لو ... ، يعني .. ، ماهو .. انت .. هي .. احنا ..
وكانت كلمات كالصاعقة على أذني ، خرقت طبلتيها ، فلم أعد أسمع بعدها كلماتهما ، و بملئ قوتي ، وبيد واحدة أطحت بذاك الميزان ، وبكفتيه ، وحامليه ، وإذا بالحب ينفخ في أوداج الثورة ، و الثورة تنفخ في أبواق الحب : حلمي مات .. حلمي مات .. مات
وهو جالس بجواري لا يمتد إليه بصري ليتحرى ، ليقبله قبلة الحياة ، أو حتى قبلة الموت ، يهرب إلى السماء ، فلا يجد إلا الشمس تغرق في بحار الفناء الأبدي ، عندها تمتد يده ، وتلمس يديه الباردتين ، لا فيهما حرارة من حب ، ولا من ثورة .
يرمق الشيخين بعين ذبلت فيها معاني الكلم ، أي بنت وأي والد ، انتم لا تعلمون شيئا إنه حلمي أنا الذي يوجد به كل من أحبهم أبي وفتاتي ، إخوتي وأخواتي ، ليست هناك كفة وكفة ، ليس هناك ميزان ، ليس هناك إنسان ، أو مخلوق ، لي كـ " حلمي " ، دفنتوه معي ، دفنته معكم لا يهم ، شكر الله سعيكم
وبعد أن انقضت مئويته ، فإن كراسي العزاء التي هيئتها من أمس لم تزل فارغة ، لم يأتني أخ حبيب ، أو صديق عزيز ، ليعزني فيمن كان عزائي الوحيد فيه أنه إكلينيكيا قد مات ... فأنا بانتظاره ما أبالي .. أنا بانتظار عودته .. أنا باتظارك








11 شوال, 1428 05:06 م