منذ تلك الليلة.. مرت عشرات الأيام التى اتشحت فيها كلماتى بالسواد ، ولازت أحرفى بالصمات ، واختنق مدادى فى الأقلام ، عشرات الأيام كنت أعزم فى كل يوم منها أن أكتب عن ضعفى ، أن أكتب عن " عجز الحروف " ... من أن تتحمل كلماتى ، من أن تعبر عن خطراتى ، خطراتى التى كنت أحسب أن البوح بها لن يعدو أن أسطر الفقرة والفقرتين فى تدوينة كل يومين أو ثلاث ، لكن الحال كما ترون ، ولم يعد بعد كل ما يختلج فى مشاعرى .. يجول فى خاطرى .. أسطره لا هنا ولا هناك لا بحبر أحمر ولا مداد أسود .
لكن – واعجباه – المداد الذى لم يتحمل أن يعبر عن ألمى وضعفى ، الآن لم يتحمل أن يصمت عن فرحتى وظفرى ، الآن ينبجس كل الحبر المتحشرج فيه ، تصطرخ كل الأحرف الصماء ، تتوشى كل الكلمات وتزدان ، تخرج دفعة واحدة لتعلن حالة من حالات " الذروة " .. حبا وثورة .
قد لا أستطيع أن أسوق الأحداث والقرائن التى تدلل على أننى قد وصلت لتلك الذروة ، فهذه الذروة لها مفاهيم عندى قد لا توجد فى دنيا الناس ، ومضامين قد لا توجد إلا فى عقلى ، أو هكذا أظن ، فإن سألنى أحدكم ما الجديد أو ما الإنجاز الذى حققته ، قلت له قد لاتفهمه لأنك تقيسه بمقياس غير الذى أقيس به ؛ فما ذروة الحب فى دنيا الناس ، أعتقد أنها الوصول إلى الحياة السعيدة المستقرة مع من يحب ، وما قمة الثورة عند بنى البشر ، أعتقد أنها التغلب على من أو ما يثورون عليه ، لكن ذروتاى تختلفان عن ذلك .
والثورة عندى هى أن أنمِّى نقاط الصراع بين الحق والباطل حتى تحتدم على طول خطوط النار والجبهات المفتوحة بين المعسكرين – معسكر الإيمان ومعسكر الكفر والنفاق – غير مسئول عن نتاج هذا الاحتدام ، المهم أن أصل بكل نقطة – من نقاط الصراع هذه – إلى مرحلة الاحتدام المحتمة ، وإذن فإن الذروة فى الثورة هى أن أصل فى نقطة ما إلى المرحلة التى لا يكون بعدها صراع ، فمثلا أرى أن ذروة الثورة فى العمل السياسى هى أن أسجن ، ذلك أننى فى حالة كونى فى السجن فإن كل ثانية تمر على أنا فيها فى أقصى درجات الثورة ، وفى الوقت ذاته فى أقصى درجات العجز ، وهذه – كما أرى – هى الحكمة من أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام ، وأن الموت فى سبيل الله هو أقصى أمانينا ، فلحظة الشهادة على أرض المعركة هى لحظة الذروة ، وفى نفس الوقت هى – وما بعدها – لحظة العجز التام .. فقد بذلت كل ما يبذل .
اليوم وبعد خمسة أعوام استطعت أن أصل معها إلى ذروة الحب ،استطعت أن أوصل لها أقصى درجات الخير ، أنعم الله على بأن أكون سببا فى أعظم هدية قد تحصل عليها امرأة من حياتها ، ووالله إننى انتقيت لها هدية هى أغلى الهدايا وأعزها إلى نفسى ، اليوم أحسست أننى أستطيع أن أمرر ذكراها فى جنانى بدون أن إحساس بالتقصير نحوها ، أو القعود دونها ، بل إن كل لحظة تحياها الآن ، أنا فيها فى قمة العجز فعلا ، وفى قمة الذروة معنى .
اليوم وبعد خمسة أعوام استطعت أن أصل معهم إلى ذروة الثورة ، وإن كانت مقتضايات الحب لا تخولنى أن أسميها لكم ، فإن مقتضيات الثورة توجب على العكس ، فقد وصلت للذروة فى صراعى بكليتى العزيزة دار العلوم ، خمس سنوات فى مناوشات ومناورات بينى – ومن معى – وبين القوى الأمنية فى الكلية ، وقفازيها التى تتلون بهما : رعاية الشباب وإدارة الكلية ، قصة طويلة تصل إلى ذورتها اليوم ، كى تنقل المسار بقواعد الثورة إلى نقطة أعلى وأوسع ، بعد أن وصلتُ – ومن معى – فى هذه النقطة – فى الصراع مع عناصر الفساد ولاستبداد فى الكلية – إلى أقصى ما نستطيع الوصول إليه وأصبحنا فى قمة العجز فعلا ، وفى قمة الذروة معنى .
لم أخطط لكى يخرج الكلام بهذا الشكل ، كنت فقط أريد أن أعلن عن سعادتى ، وعن شكرى لكل من ساروا معى فى دروبى حتى وصلت لهذه الذروة ، لكننى أشعر الآن أن الحديث أخذ مسارا فلسفيا لا أدرى أيفهم منه أحد شيئا أم لا ، لكن الذى أعرفه ، أنه بعد سنوات من الآن سأخرج عشرات من الأوراق تحت عنوان " أسرار الحب والثورة " ، وستكون هذه الورقة هى آخر ورقة فيها ، حيث أنها الذروة .










18 ربيع الثاني, 1430 12:43 ص