أبو القسام

كل ما يختلج مشاعري .. يجول في خاطري .. أسطره هنا بحبر أحمر يتلوَّن حبا .. يتدفق ثورة

الـــــذروة

منذ تلك الليلة.. مرت عشرات الأيام التى اتشحت فيها كلماتى بالسواد ، ولازت أحرفى بالصمات ، واختنق مدادى فى الأقلام ، عشرات الأيام كنت أعزم فى كل يوم منها أن أكتب عن ضعفى ، أن أكتب عن " عجز الحروف " ... من أن تتحمل كلماتى ، من أن تعبر عن خطراتى ، خطراتى التى كنت أحسب أن البوح بها لن يعدو أن أسطر الفقرة والفقرتين فى تدوينة كل يومين أو ثلاث ، لكن الحال كما ترون ، ولم يعد بعد كل ما يختلج فى مشاعرى .. يجول فى خاطرى .. أسطره لا هنا ولا هناك لا بحبر أحمر ولا مداد أسود .

 

لكن – واعجباه – المداد الذى لم يتحمل أن يعبر عن ألمى وضعفى ، الآن لم يتحمل أن يصمت عن فرحتى وظفرى ، الآن ينبجس كل الحبر المتحشرج فيه ، تصطرخ كل الأحرف الصماء ، تتوشى كل الكلمات وتزدان ، تخرج دفعة واحدة لتعلن حالة من حالات " الذروة " .. حبا وثورة .

 

قد لا أستطيع أن أسوق الأحداث والقرائن التى تدلل على أننى قد وصلت لتلك الذروة ، فهذه الذروة لها مفاهيم عندى قد لا توجد فى دنيا الناس ، ومضامين قد لا توجد إلا فى عقلى ، أو هكذا أظن ، فإن سألنى أحدكم ما الجديد أو ما الإنجاز الذى حققته ، قلت له قد لاتفهمه لأنك تقيسه بمقياس غير الذى أقيس به ؛ فما ذروة الحب فى دنيا الناس ، أعتقد أنها الوصول إلى الحياة السعيدة المستقرة مع من يحب ، وما قمة الثورة عند بنى البشر ، أعتقد أنها التغلب على من أو ما يثورون عليه ، لكن ذروتاى تختلفان عن ذلك .

 

فالحب عندى فى الأساس هو إرادة الخير للمحب وفقط ، بكل سبيل وبأى وسيلة ، كان ذلك بالبعد أو بالقرب ، أدى ذلك إلى سعادة دنيوية أو إلى كبد ومعاناه ، وإذن فالذروة فى الحب عندى لا تتحقق إلا بأن أكون قد بذلت أقصى ما يمكن بذله لإنسان فى الدنيا من عمل يدر عليه الخير طالما عاش ، بل ويستمر فى عقبه ، وهى المرحلة التى تصل فيها إلى العجز التام ، لأنك فعلت كل ما يُستطاع فعله ، وأوصلت أكثر ما يمكن أن يصل إليه من الخير .. فقد بذلت كل ما يبذل .
 

والثورة عندى هى أن أنمِّى نقاط الصراع بين الحق والباطل حتى تحتدم على طول خطوط النار والجبهات المفتوحة بين المعسكرين – معسكر الإيمان ومعسكر الكفر والنفاق – غير مسئول عن نتاج هذا الاحتدام ، المهم أن أصل بكل نقطة – من نقاط الصراع هذه – إلى مرحلة الاحتدام المحتمة ، وإذن فإن الذروة فى الثورة هى أن أصل فى نقطة ما إلى المرحلة التى لا يكون بعدها صراع ، فمثلا أرى أن ذروة الثورة فى العمل السياسى هى أن أسجن ، ذلك أننى فى حالة كونى فى السجن فإن كل ثانية تمر على أنا فيها فى أقصى درجات الثورة ، وفى الوقت ذاته فى أقصى درجات العجز ، وهذه – كما أرى – هى الحكمة من أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام ، وأن الموت فى سبيل الله هو أقصى أمانينا ، فلحظة الشهادة على أرض المعركة هى لحظة الذروة ، وفى نفس الوقت هى – وما بعدها – لحظة العجز التام .. فقد بذلت كل ما يبذل .

 

اليوم وبعد خمسة أعوام استطعت أن أصل معها إلى ذروة الحب ،استطعت أن أوصل لها أقصى درجات الخير ، أنعم الله على بأن أكون سببا فى أعظم هدية قد تحصل عليها امرأة من حياتها ، ووالله إننى انتقيت لها هدية هى أغلى الهدايا وأعزها إلى نفسى ، اليوم أحسست أننى أستطيع أن أمرر ذكراها فى جنانى بدون أن إحساس بالتقصير نحوها ، أو القعود دونها ، بل إن كل لحظة تحياها الآن ، أنا فيها فى قمة العجز فعلا ، وفى قمة الذروة معنى .

 

اليوم وبعد خمسة أعوام استطعت أن أصل معهم إلى ذروة الثورة ، وإن كانت مقتضايات الحب لا تخولنى أن أسميها لكم ، فإن مقتضيات الثورة توجب على العكس ، فقد وصلت للذروة فى صراعى بكليتى العزيزة دار العلوم ، خمس سنوات فى مناوشات ومناورات بينى – ومن معى – وبين القوى الأمنية فى الكلية ، وقفازيها التى تتلون بهما : رعاية الشباب وإدارة الكلية ، قصة طويلة تصل إلى ذورتها اليوم ، كى تنقل المسار بقواعد الثورة إلى نقطة أعلى وأوسع ، بعد أن وصلتُ – ومن معى – فى هذه النقطة – فى الصراع مع عناصر الفساد ولاستبداد فى الكلية – إلى أقصى ما نستطيع الوصول إليه وأصبحنا فى قمة العجز فعلا ، وفى قمة الذروة معنى .

 

لم أخطط لكى يخرج الكلام بهذا الشكل ، كنت فقط أريد أن أعلن عن سعادتى ، وعن شكرى لكل من ساروا معى فى دروبى حتى وصلت لهذه الذروة ، لكننى أشعر الآن أن الحديث أخذ مسارا فلسفيا لا أدرى أيفهم منه أحد شيئا أم لا ، لكن الذى أعرفه ، أنه بعد سنوات من الآن سأخرج عشرات من الأوراق تحت عنوان " أسرار الحب والثورة " ، وستكون هذه الورقة هى آخر ورقة فيها ، حيث أنها الذروة .

______________
 
شرح هذه التدوينة وعلق عليها - من قبل أن يقرأها - المعلم والصديق .. القائد والرفيق .. حاتم الأنصارى ، وهاكم نص " مقالته " .


أضف تعليقا

حاتم الأنصارى من مصر
18 ربيع الثاني, 1430 12:43 ص
أن أكتب شعرا فى صديق أحبه، فلم يسبق إلى ذلك سوى أخ معتقل رضى الله عنا جميعا، فواعجبا أن تكون فى الذروة وذروتك المعتقل ولو فى ضعفك، وإن كنت قويا دوما، وأكتب فيك شعرا، والحق أن كل هذا لم أرتب له ولم أنظّر، اتفاق ليس بالعبث، فاستقبل معى مستقبلا يستنشق رائحة السماء حين تضحك.
أنس السلطان من مصر
08 جمادى الأولى, 1430 03:25 ص
سبحان الله
كم هى غريبة هذه الأقدار.
بين عشية وضحاها أدخل في عمق القضيتين بمنتهى التركيز والوضوح‎ - حسب ما أظن‎ - فإذا بي أجد عالمًا شديد الاختلاف عما كنت أتوقع وجوده في هذه الدنيا .
رجل حين يحب يأسره حبه
ورجل حين يثور لا تبقي الثورة على شيئ من أعصابه بقية
وبين الرجل وجماعهما إنسانُ يعلم الله أني أحبه في الله وأنتظر بفارغ الصبر أن أرى ذلك اليوم الذي نلتقي فيه على قمة هذا الزمان فنذكر يومًا إجتمع فيه ثلاثة من شباب هذه الأمة على الحب والثورة معًا فبلغوا فيهما القمة والذروة على السواء فلم يشغلهم حبهم عن الثورة لأمتهم ولا أغنتهم الثورة عن ما يكون لأهل الحس من أشواق المحبين.
لن أختم بتمنى الخير لك وإن كان هذا حاصل في كل آن .
ولكن أقول : بلغ الله محبوبك من الخير أكثر مما كنت تظن ، وجهل جهدك في الثورة محفوظًا غير ضائع في دنيا ولا في آخرة آمين.
aboalqassaam من مصر
17 جمادى الأولى, 1430 05:37 م
أى حرف يسطر هنا - فى هذه الصفحة - بعد هذين التعليقين ، له ثقل الجبال بنفسى وألق العقيان بقلبى ، وأى كلمات تكافىء : حاتم .. أنس .. أحمد ! ، لو لم تر فى فيها إلا أحرف هذه الأسماء فكفى بها .

حاتمى
تعرف عالم الأوائل فى نفسى ، فذا أول من صادقته ، وتلك أو من سجلت لى القرآن ، وأخرى أول من علمتنى الحب ، حتى إذا وصلتُ لك ، فأنت الأول .. وعد ما شئت ، ولسوف يبقى على قمة أوائلك أنك أول من قرض لى الشعر .. فأجمل به !

سلطانى
لا تعرف الأقدار عندى منطقا .. فرجل يعيش معى قصة بطول أربع سنين ، ورجل يعيشها - ذات القصة - فى رحلة حافلة من الجامعة للبيت !

كل ما يعنينى أن هذا رجل وذاك رجل ، ولا يعيش هذه القصة معى سوى هذا الصنف من الرجال الذين ستراهم على قمة زمانك - بإذن الله - ، وأراك مقصرا عنهم فى الحب والعشق ، فلا تترك نفسك هكذا ، وفقك الله لمن تحبه وتهواه !
مسلمة من مصر
22 جمادى الأولى, 1430 06:37 م
كتبت كثيرا
و شاركتنا فيما مررت به من حب و ثورة
ولاول مرة اشعر بقمة العجز عن كتابة تعليق او كتابة ما اشعر به نحو هذه التدوينة
اخشى ان يكون ما اشعر به صدق و جملتك الاخيرة دليل على هذا الشعور

و لكن هكذا الذروة كما قلت و كما وصفت , ليست كما بعتقد البعض
و لكنى اراها بداية لمرحلة انتقالية , قد تحذف منها اشياء و تجدد أشياء , فالمنحنى يصعد و يقل و يصعد و لا تبقى الذروة دائما على حالها
فالشهادة اسمى امانينا , قمةالذروة و ما بعدها عجز
و لكنه عجز ظاهرى , الروح تسرى و تتنعم و تبلغ ذروة السعادة
و العجز الجسدى الظاهرى سيأتى له اليوم الذى يقف فيه يوم لا ظل الا ظله و بذلك ستكون ذروة اخرى فى مرحلة جديدة و حينها سيبقى هذا العجز سعادة مضاعفه

سيبقى السجن قوة مضاعفه بعده لزيادة الايمان و التمسك بالحق
سيبقى الباطل وقود للخير فى النفوس الخيرة
ستبقى الذروة مضاعفه لاصحاب النفوس القوية و الطموحة
سيبقى الحب أقوى و الثورة أشد

اسال الله ان يرزقك الخير اينما كان
و يثبتك و يعزك و يعلى قدرك

أمل

مسلمة من مصر
22 جمادى الأولى, 1430 07:13 م
نسيت ان اقدم تحياتى لك على الذروة الاولى و مبارك عليك رغم آلامها او عجزها
و ننتظر الذروة التالية
كما عهدناك حبا و ثورة و ان كانوا جدد
قد يختلف مفهوم الحب و لكن الاهم ان يبقى حبا بشكل ارقى و اسمى كشعور الحب او السعادة فى سعادة الاخرين كما فعلت
و قد تختلف شكل الثورة و لكن ستبقى ثورة , فارى ثورتى تنتهى عند مفارقتى للحياة الدنيا

aboalqassaam من مصر
04 جمادى الثانية, 1430 08:55 م
لم أكن مبالغا عندما قلت بأن أى حرف يسطر فى هذه الصفحة سيكون له ثقل الجبال ، وألق العقيان .

وإن كنت شاركتكم فيما أعيش فيه حبا وثورة ، فلولاكم لما كنت أحسست أن لحبى هذا جدوى ، وأن لثورتى تلك منتهى ؛ بالفعل أنا الآخر عجزت حينا من الدهر عن الرد على تعليقك ، فهو كما عهدته يكاد يلتبس بروح الكلام تلبسا ، وينفذ فى دقائقه ، ويشعر بدقاته .

الذروة بالفعل بداية لمرحلة انتقالية ، مرحلة عسيرة ، ول ارتضينا بما وصلنا إليه فقد قتلنا الطموح ، ولو تعجلنا الصعود ثانية ، لربما هوينا من ذروتنا هذه فخسرنا الكثير .

ادع الله لى أن أتجازها للذروة القادمة - بإذن الله - لا رحمنى الله حديثك العذب .. وقلمك المعطار