كان تأثير استشهاد عائلة نزار ريان على شديد الوطأة ، وكرس لدى من حالة الشلل الحركى التى تنتابنى من وقت لآخر منذ بداية الحرب ، ولم يأت الأسبوع الثانى للحرب إلا ليسير فى نفس الاتجاه ، فالتفاؤل بأن غدا ( الجمعة 2/ 2 / 2009 ) هو يوم الغضب العالمى ، وأن المظاهرات ستخرج تطلب الثأر لدماء غزة يقودها دم الشيخ نزار ، التفاؤل بذلك لم يرحمه ألم الواقع الذى أفاق مذعورا على اعتقال المئات من المتظاهرين أثناء صلاة الجمعة من وسط ميدان رمسيس بعد إغلاق مسجد الفتح فى وجه المصلين ، ثم استلام ما تبقى منهم فى المساجد القريبة بالهراوات والعصى وفرق الكاراتيه ، وتلقى الجميع يومها " علقة ساخنة " لم أشهد مثلها إلا أيام الانتخابات الرئاسية ، وذلك إن دل على شىء ، فدلالته خطيرة ، مفادها أن التظاهر من أجل غزة ، والمطالبة بتصعيد الدور المصرى هو خط أحمر يوازى الاعتراض على ترشح مبارك لرئاسة خامسة فى وقتها !
وقد سار هذا الجزء من الحرب على نفس الوتيرة ، وفى أقل من عشرة أيام أصبح عدد أصدقائى المعتقلين ( تم الإفراج عنهم جميعا الآن ) بالعشرات ، وأيضا لم أسلم من هذه المعركة فقد تعرضت فى هذا الجزء لمحاولتين للاختطاف ، وكانت المرة الأولى فى حياتى التى أشعر فيها بتهديد حقيقى ، والمرة الأولى التى يعتدى فيها رجل أمن على ، مع أننى مستعد لهذا الأمر من فترة طويلة ، وأعتبره متأخرا جدا .
إلا أن تعرضى لهذه المواقف ( محاولة اعتقالى من وسط ميدان التظاهرات ) فى هذا الظرف بالذات ، أشعرنى بنوع من العبثية فى النزول للمظاهرات ، خاصة وأنها لا تقوم بالحد الأدنى من المطلوب ، وكل ما فى الأمر أنها تبقى على شىء من وجه ماء النظام ، وتعطى لسانا لمن يريد أن يتحدث ويقول بأن الشعب المصرى غاضب ويتظاهر يوميا ، والواقع أن العشرات الذين يقومون بوقفات احتجاج يوميا ما هم إلا ثلة من الإخوان ، وقليل من باقى الحركات ، ولم تشهد الساحة أى توسع فى الاحتجاج الشعبى على الإطلاق ، وتأكد لى ذلك خاصة بعد رؤيتى لحجم الملبين لدعوات الفاعليات على الفيس بوك ، وفى النهاية تذهب لهذه الفعالية التى من المفترض أنه هناك " 673 ضيف مؤكد فيها " لتجد أن ثلاثة أشخاص فيسبوكيين فقط من الحضور ، وهذا ما جعلنى أزداد إيمانا بعبثية ما يسمى بالـ " فيس بوء " ، فى هذا المستوى من الحركة بالطبع .
ولكن هذه الفترة لم تخل من بعض التأملات فى استقبال الناس وتعاملهم مع الموقف ، وأكثر ما أريد تسجيله هنا هو أثر الآلة الإعلامية فى هذه الحرب ، وبالطبع أريد أن أتجاهل الدور المصرى الصهيونى فيها ، وأقفز إلى الدور الحقيقى الذى أعده سببا رئيسيا فى النصر ؛ فثلث النصر أنجزه القسام والمقاومة ، وثلثه الآخر صمود الغزاويين ، أما ثلثه الأخير فقد انفردت به " قناة الجزيرة " ، ولا أبالغ فى ذلك على الإطلاق ، فإن هذا المنبر أثبت - وبجدارة أنه استطاع أن يكون سلاحا ماضيا فى يد المقاومة ، وكابوسا مزعجا للعدو الصهيونى وحلفائه فى المنطقة ، ولم أجد مكانا يخل ساعة واحدة من قناة الجزيرة التى تبلغك بالجديد على رأس كل ساعة ، حتى أصبح الأطفال والنساء يعلمون من الأخبار والآراء مثل ما نعلمه نحن من المتابعين والمسيسين على السواء .
وينتهى هذا الجزء - من أثر الحرب على - بليلة افتتاح قناة " فور شباب " التى دعيت لها ضمن مجموعة من أصدقائى ، وفى هذه الليلة التى خصصت للحديث عن غزة ، جاء الحديث ممجوجا لأقصى درجة ، بالرغم من التوجه الإسلامى للقناة ، والموقف الداعم لغزة ، فإن كلا من الدكتور راغب السرجانى والداعية مصطفى حسنى أخذ يتكلم عن أسباب النصر وعوامل تأخره تارة ، وبين أنواع النصر والجهاد بالمذاكرة تارة أخرى ، وتم تجاهل الدور الأقوى فى هذه الحرب من مصر ، وهو النزول للتظاهر ، إعلان الغضب من الموقف الرسمى ، الموت فى سبيل فتح المعبر ، وكل هذا لم يعبر عنه إلا مكالمة من غزة قال فيها صاحبها عندما سأله المحاور عن واجبنا نحوهم : تنزلوا فى الشارع وتعلنوا تضامنكم معنا ورفضكم لأعدائنا ، فتجاهل المذيع الحديث وانطلق يردد ، شكرا ربنا يكرمك ، احنا عايزين حاجة عملية عشان نصرة اخوانا ودلوقتى يا أستاذ مصطفى إزاى نخلص فى الدعاء لإخوانا ، وإزاى الشباب يحس بجد إن البتنجان أبو خل مفيش أحسن منه فى الحالة ديه !!!!!!!
بالطبع خرجت فى حالة استياء تامة من هذه الليلة شاركنى فيها كل من كان معى ، ودرات أحاديث على إثرها تتمحور حول دورنا الحقيقى فى الواجب الأول تجاه غزة الآن وهو فقط .. فتح معبر رفح .









01 صفر, 1430 02:01 م