ألقيت بجسدى المتعب على مقعد الحافلة التى بدأت لتوها تتحرك من رمسيس فى طريقها إلى مدينة نصر عائدا من يوم شاق ، وقبل أن أحاول استجماع قواى بإغماض عينى قليلا لمحت جارى على المقعد ذو الوجه الأسيوى واللحية المميزة للسمت الإسلامى ، وعلبة من الكشرى بين يديه شرع لتوه فى تناولها .
- تفضل يا أخى .
- لا شكرا .
- مادا يده يسلم على بوجه باش : أنا اسمى عبد الرحمن .
- مستجيبا لسلامه : وأنا أحمد ، من أين أنت .
- أنا من ماليزيا ، أنت مصرى ؟
- نعم .
وقبل أن أرخى جفناى ثانية تاركا له المجال كى ينهى طعامه ، إذ به يختم المشهد الأول الذى بدأه :
- وجهك .. وجهك جميل يا أحمد .
أفقت على كلماته فوجدته قد بدأ فعلا فى مزاولة مهمته بلا انتظار لاستلام ردا اللهم إلا من قبيل " دا من زوقك " .
جلست أفكر فى طبيعة هؤلاء الصنف من البشر ، المسلمون من غير بلادنا ، أو حتى الأجانب على الإطلاق ، كم القيود الاجتماعية - حتى فى مجرد الحديث - التى يتجاوزونها ، ويرجعون بها إلى أزمان تذكرنى بعهد الإنسان الأول ، يذكرنى حديثه أشد ما يذكرنى بأعلى قيمة فى حياتى " الصراحة " وكيف أشعرها مع هؤلاء الناس من أول كلمة ، كيف تحس بحرارة كلامهم ، بنبضات قلوبهم ، بنظرات أعينهم الصادقة الواثقة .
لم يكد ينتهى حتى بدأت أدير الحديث ثانية ، وبدأ التعارف عن الدراسة والسن والأهل ، وشىء من الماضى ، وأشياء من المستقبل ، وقد يحدث كل هذا مع أى راكب من بنى وطنك ولكن بعدها بخمس دقائق تكون محطته قد حانت ليتوارى عنك للأبد ، لكنهم لا يتركونك تتجاوز العشر دقائق من حديثك حتى يطلب منك أحدهم رقم هاتفك ، وبريدك الإلكترونى ، وثالثها دعوة صادقة إلى بلادهم بكل ما تحمل معنى الدعوة الصادقة من إقامة وسياحة بل وأحيانا عمل .
وبالطبع لا أترك الحديث أنا دون التعريج عن الحالة الاجتماع والزواج وسنينه .. أقصد سنه عندهم ، وبالطبع تكون الإجابة الموحدة من 18 إلى 25 ، ولكن تعجب الماليزى هذه المرة كان من ضرورة وجود الشقة مع كل زواج ، فالمهر عندهم يكفى ، والكثير يعيش بدايات حياته الزوجية فى بيت أهله أو أهلها على السواء .
حانت محطته بعد نصف ساعة من الحديث بالعربية تارة وبالإنجليزية تارة ، عن العربية والقرآن أوعن الزواج والزحام ، عن الرياضة والإعلام أو عن الكشرى والمزارات ، وبنهوضه من على مقعده ينظر نظرة ثاقبة فى عينى نتبادل قبلتين سريعتين .. ثم : أحمد إنى أحبك فى الله .
حديث يبدأ بـ " وجهك جميل " ، وينتهى بـ " إنى أحبك فى الله " ، حديث كفيل بأن يزيل عنك رهق اليوم الغابر ، وكفيل بأن يغير قراراك من استلام السرير مباشرة تو الوصول للبيت ، إلى استقبال الاب توب والكتابة عن هذا الرجل ، عن هؤلاء الناس ، عن " ثانية واحدة من الحب " ، عما تمنيته كثيرا .. وناديت به كثيرا .. عن " حالة حب " .
---
تعالت أصوات الباعة من كل مكان فور نطق إمام وخطيب الجمعة بالتسليم ، وتزاحم الناس على الأبواب كى يغنم كل واحد منهم بـ " وش القفص " ، انتظرت قليلا أختم الصلاة وأنتظر هدوء حركة الناس ، ثم خرجت أتقى أعين من يعرفنى لكى لا أتعطل بالساعة والساعتين فى حوارات ما بعد الجمعة ، وقررت حتى أن أتجاهل اسمى لو سمعته من بعيد ، ولكن لم تمر لحظات حتى فعلا سمعت اسمى ، ولكن سمعته بشكل مختلف ، بشكل محبب إلى ، بشكل يجعلنى أقف وألتفت ، بل وأنتظر .
- أيوه يا هدى إزيك عاملة إيه ؟
- ثانية واحدة يا مستر أحمد هسلم على واحدة صاحبتى ، استنانى أنا ماشية معاك .
وبكل رضى وقفت أنتظر هدى ذات الأعوام السبع ، صاحبة الوجه البدرى المتألق ، والعين الصافية البريئة ، والأسنان البيضاء الصغيرة التى تنفتح عنها شفتاها الدقيقتين كما تتفتح الوردة مع شعاع الشمس .
- إيه يا مستر اتأخرت عليك ؟
- لا أبدا إزيك عاملة إيه ؟
- أنا كويسة ، بس زعلانه منك ، لأنى نزلت المسجد المرة اللى فاتت وانت ما حفظتنيش
- معلش يا هدى كان عندى شغل ، أوعدك المرة الجاية أفضى نفسى .
- تعرف يا مستر أحمد أنا بحبك أوى ، عارف ليه ؟
- !!
- عشان انت حلو أوى يا مستر أحمد .
ساعتها ما تمنيت أن تصل ابنتى أو اختى لأكثر مما وصلت إليه روح هذه البنت البريئة فى هذه السن ، أن تشعر بالجمال ، وأن تعبر عن الحب والحياة ، كما كان الناس فى ذلك العهد الأول .
نظرت فى عينيها البريئتين وتذكرت نظرات عبد الرحمن من يومين فقط ، وبدأت أتحسس معنى فى رأسى ثابت ، هل فعلا من لم ير الحب فى عين امرأة فقد حرم من رؤية أعظم معانى الحياة ، قد يكون ، ولكن قد تعين نظرة الحب فى عين الأخ والصديق ، وفى عين الطفل والوليد ، وفى عين الشيخ والعجوز .
لنشترى صمت العيون ، لنفض وعاء القلوب ، لنعلنها فى كل وقت " حالة حب "








25 شعبان, 1429 02:03 ص