أبو القسام

كل ما يختلج مشاعري .. يجول في خاطري .. أسطره هنا بحبر أحمر يتلوَّن حبا .. يتدفق ثورة

عبد الرحمن وهدى .. للحب وجه أخر

ألقيت بجسدى المتعب على مقعد الحافلة التى بدأت لتوها تتحرك من رمسيس فى طريقها إلى مدينة نصر عائدا من يوم شاق ، وقبل أن أحاول استجماع قواى بإغماض عينى قليلا لمحت جارى على المقعد ذو الوجه الأسيوى واللحية المميزة للسمت الإسلامى ، وعلبة من الكشرى بين يديه شرع لتوه فى تناولها .
 
- تفضل يا أخى .
- لا شكرا .
- مادا يده يسلم على بوجه باش : أنا اسمى عبد الرحمن .
- مستجيبا لسلامه : وأنا أحمد ، من أين أنت .
- أنا من ماليزيا ، أنت مصرى ؟
- نعم .
وقبل أن أرخى جفناى ثانية تاركا له المجال كى ينهى طعامه ، إذ به يختم المشهد الأول الذى بدأه :
- وجهك .. وجهك جميل يا أحمد .
أفقت على كلماته فوجدته قد بدأ فعلا فى مزاولة مهمته بلا انتظار لاستلام ردا اللهم إلا من قبيل " دا من زوقك " .
 
جلست أفكر فى طبيعة هؤلاء الصنف من البشر ، المسلمون من غير بلادنا ، أو حتى الأجانب على الإطلاق ، كم القيود الاجتماعية - حتى فى مجرد الحديث - التى يتجاوزونها ، ويرجعون بها إلى أزمان تذكرنى بعهد الإنسان الأول ، يذكرنى حديثه أشد ما يذكرنى بأعلى قيمة فى حياتى " الصراحة " وكيف أشعرها مع هؤلاء الناس من أول كلمة ، كيف تحس بحرارة كلامهم ، بنبضات قلوبهم ، بنظرات أعينهم الصادقة الواثقة .
 
لم يكد ينتهى حتى بدأت أدير الحديث ثانية ، وبدأ التعارف عن الدراسة والسن والأهل ، وشىء من الماضى ، وأشياء من المستقبل ، وقد يحدث كل هذا مع أى راكب من بنى وطنك ولكن بعدها بخمس دقائق تكون محطته قد حانت ليتوارى عنك للأبد ، لكنهم لا يتركونك تتجاوز العشر دقائق من حديثك حتى يطلب منك أحدهم رقم هاتفك ، وبريدك الإلكترونى ، وثالثها دعوة صادقة إلى بلادهم بكل ما تحمل معنى الدعوة الصادقة من إقامة وسياحة بل وأحيانا عمل .
 
وبالطبع لا أترك الحديث أنا دون التعريج عن الحالة الاجتماع والزواج وسنينه .. أقصد سنه عندهم ، وبالطبع تكون الإجابة الموحدة من 18 إلى 25 ، ولكن تعجب الماليزى هذه المرة كان من ضرورة وجود الشقة مع كل زواج ، فالمهر عندهم يكفى ، والكثير يعيش بدايات حياته الزوجية فى بيت أهله أو أهلها على السواء .
 
حانت محطته بعد نصف ساعة من الحديث بالعربية تارة وبالإنجليزية تارة ، عن العربية والقرآن أوعن الزواج والزحام ، عن الرياضة والإعلام أو عن الكشرى والمزارات ، وبنهوضه من على مقعده ينظر نظرة ثاقبة فى عينى نتبادل قبلتين سريعتين .. ثم : أحمد إنى أحبك فى الله .
 
حديث يبدأ بـ " وجهك جميل " ، وينتهى بـ " إنى أحبك فى الله " ، حديث كفيل بأن يزيل عنك رهق اليوم الغابر ، وكفيل بأن يغير قراراك من استلام السرير مباشرة تو الوصول للبيت ، إلى استقبال الاب توب والكتابة عن هذا الرجل ، عن هؤلاء الناس ، عن " ثانية واحدة من الحب " ، عما تمنيته كثيرا .. وناديت به كثيرا .. عن " حالة حب " .
 
---
 
تعالت أصوات الباعة من كل مكان فور نطق إمام وخطيب الجمعة بالتسليم ، وتزاحم الناس على الأبواب كى يغنم كل واحد منهم بـ " وش القفص " ، انتظرت قليلا أختم الصلاة وأنتظر هدوء حركة الناس ، ثم خرجت أتقى أعين من يعرفنى لكى لا أتعطل بالساعة والساعتين فى حوارات ما بعد الجمعة ، وقررت حتى أن أتجاهل اسمى لو سمعته من بعيد ، ولكن لم تمر لحظات حتى فعلا سمعت اسمى ، ولكن سمعته بشكل مختلف ، بشكل محبب إلى ، بشكل يجعلنى أقف وألتفت ، بل وأنتظر .
 
- أيوه يا هدى إزيك عاملة إيه ؟
- ثانية واحدة يا مستر أحمد هسلم على واحدة صاحبتى ، استنانى أنا ماشية معاك .
 
وبكل رضى وقفت أنتظر هدى ذات الأعوام السبع ، صاحبة الوجه البدرى المتألق ، والعين الصافية البريئة ، والأسنان البيضاء الصغيرة التى تنفتح عنها شفتاها الدقيقتين كما تتفتح الوردة مع شعاع الشمس .
 
- إيه يا مستر اتأخرت عليك ؟
- لا أبدا إزيك عاملة إيه ؟
- أنا كويسة ، بس زعلانه منك ، لأنى نزلت المسجد المرة اللى فاتت وانت ما حفظتنيش
- معلش يا هدى كان عندى شغل ، أوعدك المرة الجاية أفضى نفسى .
- تعرف يا مستر أحمد أنا بحبك أوى ، عارف ليه ؟
- !!
- عشان انت حلو أوى يا مستر أحمد .
 
ساعتها ما تمنيت أن تصل ابنتى أو اختى لأكثر مما وصلت إليه روح هذه البنت البريئة فى هذه السن ، أن تشعر بالجمال ، وأن تعبر عن الحب والحياة ، كما كان الناس فى ذلك العهد الأول .
 
نظرت فى عينيها البريئتين وتذكرت نظرات عبد الرحمن من يومين فقط ، وبدأت أتحسس معنى فى رأسى ثابت ، هل فعلا من لم ير الحب فى عين امرأة فقد حرم من رؤية أعظم معانى الحياة ، قد يكون ، ولكن قد تعين نظرة الحب فى عين الأخ والصديق ، وفى عين الطفل والوليد ، وفى عين الشيخ والعجوز .
 
  لنشترى صمت العيون ، لنفض وعاء القلوب ، لنعلنها فى كل وقت " حالة حب "
 


أضف تعليقا

أحمد الخشاب من مصر
25 شعبان, 1429 02:03 ص
السلام عليكم
اللهم أعلوا أمتنا بين الأمم من جديد و اجعلها أعلاهم
اللهم افتح لنا بلادا جديدة
---
أحمد أنى أحبك فى الله
فحقا للحب وجه أخر
أسمى و أعلى ألا و هو الحب فى الله
---
الأن على مدونة خشاب
khashab.blogspot.com
أنا إخوان ... أنا أشرب كوكاكولا