فى الغرفة الباردة التى يرقد فيها " حلمى " بين موتين وحياة جالس فى مكانى المعهود منذ أكثر من سنة ، لا أحيد عن عينيه المغلقتين علها تنفتح فى أى لحظة ، لا أروم عن يديه اليابستين علها تورق فى أقل من طرفة ، وبرغم ذلك فلم أجلس كل تلك الفترة حبيس مقعدى هذا ، فلا دواء وُصف لى إلا وأحضرته ، ولا تعويذة نُصحت بها إلا تلوتها ، ولا سبب فى أقصى الأرض أو أدناها إلا وسعيت له بليل أو نهار ، حتى إنه ليخيل إلى أن الراقد أمامى هذا ليس حلمى ، أو أنى أخطأت الليلة غرفتى ، ولكن كيف أخطأ غرفتى وهى الغرفة الوحيدة فى المكان ، كل من يأتى إلى هذا المكان على حالة " حلمى " لا يتردد صاحبه فى موراته الثرى ، والترحم عليه .
فى هذا اليوم ، وبينما أنا أنتظر نتيجة آخر دواء حصلت عليه بشق الأنفس إذ شبح يخرج من الغرفة ويلقى بالخبر على وجهى دفعة واحدة ، تروغ عيناى ، ويهرب الدم من أوصالى ، وأحاول أن أمنع أنفاسى من أن تلحق بأنفاس " حلمى " ، أحث الخطى نحو باب الغرفة لعل الخبر كاذبا ، فلطالما توقعت الكذب بشأنه ، يطول الممر المؤدى إلى مثواه " قبل الأخير " ، يطول بطول الليالى التى عبرته فيها ، يطول ويطول حتى لا أصل إليه إلا وقد غربت شمس النهار ، وأسدلت ستائر الليل على أسرار غيب الله فى حكمة قبضه لروح ميتة .
لما وصلت إليه ، لم أشفق عليه ، لا أدرى خلت أن يده هى التى تحركت وقبضت على إنبوب الحياة الملقى إلى جواره ، ابتسامته الباردة التى تلقى بها أول يوم له هنا هى هى نفس الابتسامة ، وكأنه كان ميتا بالفعل عندما جاء ، لا أدرى ، لم أعد أدرى ، كل ما أدريه أن حبى له الآن - إن كان بقى له فى قلبى حب - لا يتمثل إلا فى فعل واحد ، أن أعجل به ، أن أحمله على كتفى أسير به فى أرجاء المكان الذى خلا من كل إنس ، ليس هناك من يحمله معى ، ليست هناك عربة إسعاف تنتظر بالأسفل لتنقله إلى مثواه الأخير ، انطلقت به ، إلى حيث أتيت به .
إلى المكان الذى خرجت إليه أول مرة مع حلمى ، عندما خرجت أنا وحلمى - بروحه - والشمس ، أخرج الآن أنا وحلمى - بجسده - والشمس ليست معنا ، قد أذنت بالرحيل من قبل ، قد أبت حتى أن تشيعه معى ، تريد أن يخرج أول شعاع لها فلا تجد له أثر فوق الثرى ، فقد سئمت من الغروب على فى كل يوم دون أمل بالشروق فى اليوم التالى ، وحتى القمر قد بخل علينا بضوءه ، فلا أراه الليلة إلا محاقا ، قد تنكرت لنا السماء والأرض فى مشهد جنائزى كئيب .
لم أكن أتوقع بعد كل هذا أن أجد أحدا فى المكان الذى أقصده ليكون مثواه الأخير ، ولكننى ما وصلته حتى رأيته ، بهى الطلعة ، فتى الساعد ، وضىء الوجه ، موهج العينين ، لا أكاد أميز شكله من شكلى ولا شكل حلمى ، كأن القدر أنشأه من روحانا خلقا جديدا ، ذهلت عن نفسى وعن حلمى لما رأيته : ويحك من أنت .
- لم يرد على وتابع فى حفره بمعول كان فى يديه .
- هيا يا سيدى لننجز هذا العمل .
- سيدك .. أنا .. كيف ؟ ، لم أرك يوما حتى ، ولكن نعم ، أنا سيدك ، وكأنى أبوك حتى ، قد أكون رأيتك قبل ذلك ، قد لا يكون ذلك فى صحو ، قد ..
- هيا يا سيدى دعنا ننتهى من سيدتى ، وأخذها عنى برفق ، ولثمها فى جبهتها فطبع عليها دفئا غريبا أزال عنها بروده عام من الأزمان .
- سيدتك .. كيف ؟ .. لم ترك من قبل ، لم تخبرنى عنك من قبل ، لكن .. لكنها فعلا قد تكون ، ما أشبهك بها ، لا وكأنك لست إلا ولدها .
- لا تقل هذا أنا لست ولدا لأحد .
- ماذا .. ماذا ؟ كيف ؟ قل لى إذن ما اسمك
- إسمى أروَد .
- أرود !
- نعم إذن هو أنت ، قد أخذت من اسمى وزنه وشكلاته وحرفيه أولا وآخرا .. قد أخذت من اسمها وزنه وثلاثة من أحرفه .
وأخذنى ذهول عميق كدت أغشى منه ولا أفيق .. أرود .. أرود
- إذن ما اسم أبيك .. أمك
- ليس لى من ذلك شىء ، كل ما أعرفه أنى " أرود " ، وأنك سيدى الباقى ، وأنها سيدتى الذاهبة بمشيئتها ، واحتراما لإرادتها لا تضيع وقتا ودعنا ننهى إرادتها .
لم أملك أى سيطرة على أى خلية فى جسدى منذ تلك اللحظة أخذت أسرح فيه ، أسافر فى قسمات وجهه ، أرى فى كل ثنية طرق حياتى الطويلة ، أرى فيها أنا وحلمى ، يوم أن كنا نطوى الأرض طيا بلا حدود ، يوم أن كنا أبعد ما نكون عن تلك الغرفة الباردة ، لا أرى فى وجهه أوقاتى مع حلمى فقط ، بل أجد كل أوقاتى السعيدة .. الرائعة ، حتى الجرح الذى فى جانب وجهه أحس بألمه فى يحيك فى صدرى ، تدغدغ مشاعرى تلك الذكريات ، تتفلت منى الفأس التى أعطاها إياى كى ننجز العمل .
- قطع شرودى : ها قد انتهينا ، وأخذ ينظر إلى جثة حلمى الملقاه بعين من حنين ، وعين أخرى من مقت ، لا أعرف كيف يجمعهما فى نظرة واحدة ، لم أتمالك نفسى ، صرخت فى وجه ، كيف تقول إنها سيدتك ، وتدفنها بكل هذا البرود والجفاء ، أنظر إليها إنها لا تستحق الموت حتى .
- ويكأنها ليست معذبتك ، ويكأنها لم تختار ما عليه الآن ، لم تكن لتموت إلا أنها أرادت ذلك .
- لكنها لم تدرك من زهرة الحياة ، ولا شممتها أريجها .
- وتقدر أن تـُشممها إياه الآن .
- الآن .. الآن كيف ، لقد أتيت متأخرا .
- لا لم آت متأخرا ن قد كنت من أول الطريق ، تعرف ذلك فى نفسك .
- لا .. لا أعرف ، أقصد قد يكون ، بل هو كائن ، نعم كنت ولم تكن ، لم أكن واثقا .
- لا بل كنت ، أوتحسب أن يضيع صنيعك فى عبثا ، أوتحسب أن يد الدهر تغفل عن بذلك ، لقد صنعت لى ما لم يصنعه إنسان .
- لم يكن لك ، بل كان لحلمى .
- لا ليس لحلمى ، حلمى قد كان منه ما كان ، أنظر إلى تجد نفسك ، وتجد حلمك ، وتجد أيضا مستقبلك .
- بم تنبأنى يا أرود ، بم تنبأنى ؟ ، أنا أعرف بك من نفسك ، قد اكتفيت من مجادلتك ، وهل يجادل المرء نفسه .
- نعم يجادل المكلوم نفسه ، وتحاجج الثكلى نفسها ، ويحدث المكروب نطقه .
نظرت مرة أخيرة إلى حلمى وهو بين ذراعى أرود ، كنت مطمئنا عليه وهو بين ذراعيه ، لم أكن لأحمله هكذا لو كنت مكانه ، كنت لأعصره ، كنت لأعصف بلحمه وأكسر عظامه ، تراوغنى نفسى الآن أن ألثم جبهته مرة أخيره .. مرة أخيرة ؟ ، ولكن ويحى قد عجزت أول مرة أن أقبله قبلة الحياة ، فهل أقبله الآن قبلة الموت ؟ ، والله إنه موت فى موتين ، ولا يوجد حى بيننا سوى أرود ، برغم نظرات الشفقه منك حينا ، والقسوة حينا ، تبقى فى كل حال قويا جلدا ، جليلا مهيبا ، كما لم أتمناك فى يوما من الأيام ، يا أرود .
انتهينا من حلمى .. انتهينا من سيدتك يا أرود كما تدعى .. تعرف أن هذا ليس آخر لقاء بينى وبينها ؟
- بالطبع أعرف ، ولكن اللقاء الذى تقصده لن أكون موجودا فيه ، سأكون موجودا بعده .
- أنت تعرف كل شىء ، نعم إنها القنطرة ، ساعتها لن يكون هناك إلا الحقائق تعرض ، ثم صفحات الحساب تفتح ، ثم الثمن يدفع بلا حب .. بلا كره .. فقط عدالة .
قد ضمنت يا أرود كل الحسان ، لا غرو أن تبقى معى الآن ويذهب حلمى ، إن رمز الحب الأبدى لا أقول إنه لا يفارق روحك ، بل لا يفارق اسمك حتى ( ورْد ) ، وإن كان له مزيجا ومِزاجا مختلفا ، إن رمز القوة الأبدية أيضا لما يفارقه ( رود ) ومن لا يرود ، يُراد ويساق ، ولكن هلا تخبرنى ما هذه الجرح على جانب وجهك ؟
- تعرفه أيضا أكثر منى ، إنه بما جرحت أنت .
- تحجر الدمع فى عينى ، ونظرت إلى السماء ، نعم أعرفها يا أرود ، وأعاهدك أن أداويه ، أزيله ، ولا أزيده ، لولاه لكنت أجمل ما فى الوجود ، عل غفار الذنوب يطلع على قلبى فيغفر ما كان لجوارحى .. أواه يا أروَد من هذى الذنوب .
ابتعدنا قليلا عن مكاننا نمشى فى صحراء مظلمة ، لا ينير طريقنا إلا ضوءا خفيفا يتوهج من أرود ، حتى إذا نظرت إليه لم تعرف أذاتى هو هذا الضوء ، أم انعكاس قمر لا أره ، ونجوما غارت فى السماوات وضمرت .
- سيدى .. معى لك شىء .
- ماذا ؟
وأخرج من بين ضلوعه ذلك الثوب الموشى الذى كنت نسجته
- أرود إنه لها ، ادفنه الآن ، الآن يا أرود ,
- لا لا يا سيدى ، إنه من صنعك أنت ، إنه لك أنت ، فى يوم من الأيام ستسعد به سيدتى
- ولكن ألم تقل لى أن هذه هى سيدتك .
- بلى قلت ، قلت هذه سيدتى الذاهبة ، بإرادتها ، قد تعود ، وقد تأت أخرى ، وفى كلا الحالين ستحتاج لدفء هذا الثوب الموشى ، ستحتاج إلى الإحساس بأنامل يديك التى نسجت هذا الثوب لا عبر عام من الأزمان بل عبر خمس ..
- حاولت أن أتكلم ، ولكنه كمم فاهى ، ونظر فى عينى فأخذنى بسحره ، وقال ورددت الأرض من حولنا ..
أحمد .. وإن سقطت الخلافة على الأرض ، فلا تسقط الأرض من يديك ، فتضيع الخلافة للأبد ، ولا تقام إن رجعت عثمانية أو أضحت غير ذلك .. فإن الخلافة لا تقوم بغير أرض ، وإن طال بقاء الأرض بلا خلافة .
أمسكت بيده ونزعتها برفق من على فمى لألصقها بصدرى : وإن أمست الحياة بلا حلمى ، فلا تصبح بلا أرود ، لن تصبح أبدا بلا أرود .. تعدنى يا أرود بأن تكون معى أبدا ، نعم أعدك بقدر ما تعد نفسك .










28 رجب, 1429 02:48 م