أبو القسام

كل ما يختلج مشاعري .. يجول في خاطري .. أسطره هنا بحبر أحمر يتلوَّن حبا .. يتدفق ثورة

إن مات " حلمى " .. فـ " أروَد " لن يمت

فى الغرفة الباردة التى يرقد فيها " حلمى " بين موتين وحياة جالس فى مكانى المعهود منذ أكثر من سنة ، لا أحيد عن عينيه المغلقتين علها تنفتح فى أى لحظة ، لا أروم عن يديه اليابستين علها تورق فى أقل من طرفة ، وبرغم ذلك فلم أجلس كل تلك الفترة حبيس مقعدى هذا ، فلا دواء وُصف لى إلا وأحضرته ، ولا تعويذة نُصحت بها إلا تلوتها ، ولا سبب فى أقصى الأرض أو أدناها إلا وسعيت له بليل أو نهار ، حتى إنه ليخيل إلى أن الراقد أمامى هذا ليس حلمى ، أو أنى أخطأت الليلة غرفتى ، ولكن كيف أخطأ غرفتى وهى الغرفة الوحيدة فى المكان ، كل من يأتى إلى هذا المكان على حالة " حلمى " لا يتردد صاحبه فى موراته الثرى ، والترحم عليه .
 
فى هذا اليوم ، وبينما أنا أنتظر نتيجة آخر دواء حصلت عليه بشق الأنفس إذ شبح يخرج من الغرفة ويلقى بالخبر على وجهى دفعة واحدة ، تروغ عيناى ، ويهرب الدم من أوصالى ، وأحاول أن أمنع أنفاسى من أن تلحق بأنفاس " حلمى " ، أحث الخطى نحو باب الغرفة لعل الخبر كاذبا ، فلطالما توقعت الكذب بشأنه ، يطول الممر المؤدى إلى مثواه " قبل الأخير " ، يطول بطول الليالى التى عبرته فيها ، يطول ويطول حتى لا أصل إليه إلا وقد غربت شمس النهار ، وأسدلت ستائر الليل على أسرار غيب الله فى حكمة قبضه لروح ميتة .
 
لما وصلت إليه ، لم أشفق عليه ، لا أدرى خلت أن يده هى التى تحركت وقبضت على إنبوب الحياة الملقى إلى جواره ، ابتسامته الباردة التى تلقى بها أول يوم له هنا هى هى نفس الابتسامة ، وكأنه كان ميتا بالفعل عندما جاء ، لا أدرى ، لم أعد أدرى ، كل ما أدريه أن حبى له الآن - إن كان بقى له فى قلبى حب - لا يتمثل إلا فى فعل واحد ، أن أعجل به ، أن أحمله على كتفى أسير به فى أرجاء المكان الذى خلا من كل إنس ، ليس هناك من يحمله معى ، ليست هناك عربة إسعاف تنتظر بالأسفل لتنقله إلى مثواه الأخير ، انطلقت به ، إلى حيث أتيت به .
 
إلى المكان الذى خرجت إليه أول مرة مع حلمى ، عندما خرجت أنا وحلمى - بروحه - والشمس ، أخرج الآن أنا وحلمى - بجسده - والشمس ليست معنا ، قد أذنت بالرحيل من قبل ، قد أبت حتى أن تشيعه معى ، تريد أن يخرج أول شعاع لها فلا تجد له أثر فوق الثرى ، فقد سئمت من الغروب على فى كل يوم دون أمل بالشروق فى اليوم التالى ، وحتى القمر قد بخل علينا بضوءه ، فلا أراه الليلة إلا محاقا ، قد تنكرت لنا السماء والأرض فى مشهد جنائزى كئيب .
 
لم أكن أتوقع بعد كل هذا أن أجد أحدا فى المكان الذى أقصده ليكون مثواه الأخير ، ولكننى ما وصلته حتى رأيته ، بهى الطلعة ، فتى الساعد ، وضىء الوجه ، موهج العينين ، لا أكاد أميز شكله من شكلى ولا شكل حلمى ، كأن القدر أنشأه من روحانا خلقا جديدا ، ذهلت عن نفسى وعن حلمى لما رأيته : ويحك من أنت .
- لم يرد على وتابع فى حفره بمعول كان فى يديه .
- هيا يا سيدى لننجز هذا العمل .
- سيدك .. أنا .. كيف ؟ ، لم أرك يوما حتى ، ولكن نعم ، أنا سيدك ، وكأنى أبوك حتى ، قد أكون رأيتك قبل ذلك ، قد لا يكون ذلك فى صحو ، قد ..
- هيا يا سيدى دعنا ننتهى من سيدتى ، وأخذها عنى برفق ، ولثمها فى جبهتها فطبع عليها دفئا غريبا أزال عنها بروده عام من الأزمان .
- سيدتك .. كيف ؟ .. لم ترك من قبل ، لم تخبرنى عنك من قبل ، لكن .. لكنها فعلا قد تكون ، ما أشبهك بها ، لا وكأنك لست إلا ولدها .
- لا تقل هذا أنا لست ولدا لأحد .
- ماذا .. ماذا ؟ كيف ؟ قل لى إذن ما اسمك
- إسمى أروَد .
- أرود !
- نعم إذن هو أنت ، قد أخذت من اسمى وزنه وشكلاته وحرفيه أولا وآخرا .. قد أخذت من اسمها وزنه وثلاثة من أحرفه .
وأخذنى ذهول عميق كدت أغشى منه ولا أفيق .. أرود .. أرود
- إذن ما اسم أبيك .. أمك
- ليس لى من ذلك شىء ، كل ما أعرفه أنى " أرود " ، وأنك سيدى الباقى ، وأنها سيدتى الذاهبة بمشيئتها ، واحتراما لإرادتها لا تضيع وقتا ودعنا ننهى إرادتها .
لم أملك أى سيطرة على أى خلية فى جسدى منذ تلك اللحظة أخذت أسرح فيه ، أسافر فى قسمات وجهه ، أرى فى كل ثنية طرق حياتى الطويلة ، أرى فيها أنا وحلمى ، يوم أن كنا نطوى الأرض طيا بلا حدود ، يوم أن كنا أبعد ما نكون عن تلك الغرفة الباردة ، لا أرى فى وجهه أوقاتى مع حلمى فقط ، بل أجد كل أوقاتى السعيدة .. الرائعة ، حتى الجرح الذى فى جانب وجهه أحس بألمه فى يحيك فى صدرى ، تدغدغ مشاعرى تلك الذكريات ، تتفلت منى الفأس التى أعطاها إياى كى ننجز العمل .
- قطع شرودى : ها قد انتهينا ، وأخذ ينظر إلى جثة حلمى الملقاه بعين من حنين ، وعين أخرى من مقت ، لا أعرف كيف يجمعهما فى نظرة واحدة ، لم أتمالك نفسى ، صرخت فى وجه ، كيف تقول إنها سيدتك ، وتدفنها بكل هذا البرود والجفاء ، أنظر إليها إنها لا تستحق الموت حتى .
- ويكأنها ليست معذبتك ، ويكأنها لم تختار ما عليه الآن ، لم تكن لتموت إلا أنها أرادت ذلك .
- لكنها لم تدرك من زهرة الحياة ، ولا شممتها أريجها .
- وتقدر أن تـُشممها إياه الآن .
- الآن .. الآن كيف ، لقد أتيت متأخرا .
- لا لم آت متأخرا ن قد كنت من أول الطريق ، تعرف ذلك فى نفسك .
- لا .. لا أعرف ، أقصد قد يكون ، بل هو كائن ، نعم كنت ولم تكن ، لم أكن واثقا .
- لا بل كنت ، أوتحسب أن يضيع صنيعك فى عبثا ، أوتحسب أن يد الدهر تغفل عن بذلك ، لقد صنعت لى ما لم يصنعه إنسان .
- لم يكن لك ، بل كان لحلمى .
- لا ليس لحلمى ، حلمى قد كان منه ما كان ، أنظر إلى تجد نفسك ، وتجد حلمك ، وتجد أيضا مستقبلك .
- بم تنبأنى يا أرود ، بم تنبأنى ؟ ، أنا أعرف بك من نفسك ، قد اكتفيت من مجادلتك ، وهل يجادل المرء نفسه .
- نعم يجادل المكلوم نفسه ، وتحاجج الثكلى نفسها ، ويحدث المكروب نطقه .
 
نظرت مرة أخيرة إلى حلمى وهو بين ذراعى أرود ، كنت مطمئنا عليه وهو بين ذراعيه ، لم أكن لأحمله هكذا لو كنت مكانه ، كنت لأعصره ، كنت لأعصف بلحمه وأكسر عظامه ، تراوغنى نفسى الآن أن ألثم جبهته مرة أخيره .. مرة أخيرة ؟ ، ولكن ويحى قد عجزت أول مرة أن أقبله قبلة الحياة ، فهل أقبله الآن قبلة الموت ؟ ، والله إنه موت فى موتين ، ولا يوجد حى بيننا سوى أرود ، برغم نظرات الشفقه منك حينا ، والقسوة حينا ، تبقى فى كل حال قويا جلدا ، جليلا مهيبا ، كما لم أتمناك فى يوما من الأيام ، يا أرود .
 
انتهينا من حلمى .. انتهينا من سيدتك يا أرود كما تدعى .. تعرف أن هذا ليس آخر لقاء بينى وبينها ؟
- بالطبع أعرف ، ولكن اللقاء الذى تقصده لن أكون موجودا فيه ، سأكون موجودا بعده .
- أنت تعرف كل شىء ، نعم إنها القنطرة ، ساعتها لن يكون هناك إلا الحقائق تعرض ، ثم صفحات الحساب تفتح ، ثم الثمن يدفع بلا حب .. بلا كره .. فقط عدالة . 
 
قد ضمنت يا أرود كل الحسان ، لا غرو أن تبقى معى الآن ويذهب حلمى ، إن رمز الحب الأبدى لا أقول إنه لا يفارق روحك ، بل لا يفارق اسمك حتى ( ورْد ) ، وإن كان له مزيجا ومِزاجا مختلفا ، إن رمز القوة الأبدية أيضا لما يفارقه ( رود ) ومن لا يرود ، يُراد ويساق ، ولكن هلا تخبرنى ما هذه الجرح على جانب وجهك ؟
- تعرفه أيضا أكثر منى ، إنه بما جرحت  أنت .
- تحجر الدمع فى عينى ، ونظرت إلى السماء ، نعم أعرفها يا أرود ، وأعاهدك أن أداويه ، أزيله ، ولا أزيده ، لولاه لكنت أجمل ما فى الوجود ، عل غفار الذنوب يطلع على قلبى فيغفر ما كان لجوارحى ..  أواه يا أروَد من هذى الذنوب .
 
ابتعدنا قليلا عن مكاننا نمشى فى صحراء مظلمة ، لا ينير طريقنا إلا ضوءا خفيفا يتوهج من أرود ، حتى إذا نظرت إليه لم تعرف أذاتى هو هذا الضوء ، أم انعكاس قمر لا أره ، ونجوما غارت فى السماوات وضمرت .
 
- سيدى .. معى لك شىء .
- ماذا ؟
وأخرج من بين ضلوعه ذلك الثوب الموشى الذى كنت نسجته 
- أرود إنه لها ، ادفنه الآن ، الآن يا أرود ,
- لا لا يا سيدى ، إنه من صنعك أنت ، إنه لك أنت ، فى يوم من الأيام ستسعد به سيدتى
- ولكن ألم تقل لى أن هذه هى سيدتك .
- بلى قلت ، قلت هذه سيدتى الذاهبة ، بإرادتها ، قد تعود ، وقد تأت أخرى ، وفى كلا الحالين ستحتاج لدفء هذا الثوب الموشى ، ستحتاج إلى الإحساس بأنامل يديك التى نسجت هذا الثوب لا عبر عام من الأزمان بل عبر خمس ..
- حاولت أن أتكلم ، ولكنه كمم فاهى ، ونظر فى عينى فأخذنى بسحره ، وقال ورددت الأرض من حولنا ..
 
أحمد .. وإن سقطت الخلافة على الأرض ، فلا تسقط الأرض من يديك ، فتضيع الخلافة للأبد ، ولا تقام إن رجعت عثمانية أو أضحت غير ذلك .. فإن الخلافة لا تقوم بغير أرض ، وإن طال بقاء الأرض بلا خلافة .
 
أمسكت بيده ونزعتها برفق من على فمى لألصقها بصدرى  : وإن أمست الحياة بلا حلمى ، فلا تصبح بلا أرود ، لن تصبح أبدا بلا أرود .. تعدنى يا أرود بأن تكون معى أبدا ، نعم أعدك بقدر ما تعد نفسك .


أضف تعليقا

مسلمه من مصر
28 رجب, 1429 02:48 م
ارود
احمد
ارو...
فقط احاول حل معادلتك اللغوية فى الاوزان و الاشكال

تأثرت بها
انعكاس عالى لارود , فيه افكاره كأى انسان يمر بهذه اللحظات و اجوبته كأرود الذى لا يعرف الاستسلام و حماسته التى لا توقفه فقدان شىء
و خاصة ان كان الفقدان سبب من الطرفين
طرف اراد الوثوق فطال و قد يكون تجاوز
و يطلب الغفران
و طرف قد يكون مل الانتظار فاختار و فى كلا الاحوال انها الاقدار
ستأتى غيرها هكذا قال ارود
و سيبقى الحلم لانها ارادة ارود
ارود هذا الكائن الجديد
لا اراه جديدا لكنه ارود الذى كان مدفون فى ثنايا النفس و خرج الى الحياة عندما ارادت الاقدار اخراجه ليكون معين فى تلك اللحظات

تحياتى لهذا المزج العالى
و ربنا يصلح لك الاحوال و ييسر لك الامور و يرشدك للخير
aboalqassaam من مصر
05 شعبان, 1429 12:07 ص
أرود أيها المسلمة يبلغك السلام

وقلة هم من يبلغنى أرود أنهم يرونه ، ويفهمونه ، ويحسون به مثلك .

كيف لا ، وقد كنت من أول الطريق تحسين به ، كما أحسست به أنا أيضا ، ولكننى غالطت نفسى ، وأخفيته عن نفسى

لقد كان خروجه خروجا اضطراريا ، لم يكن ليخرج إلا ليسعد سيدا وسيدة ، أما الآن فقد خرج ليسلى سيدا وينعى سيدة

سيدتى .. تحياتى لهذه القراءة الواعية
مطالب العلا من مصر
22 رمضان, 1429 03:49 ص
احمد
اروى
ارود
اظن انك اخترت تركيب الحروف بهذا الشكل لكى تعبر عن حبك الشديد لها
فقد اخترت الحرفان الف ودال فى الاول والاخر و الراء والواو فى نصف الاسم وذلك لان
دفنك لتلك الحبيبة لم يكن الدفن العادى الذى يمر به كل الموتى وانما انت دفنتها فى قلبك وذلك من شدة حبك لها

واظن انك اخترت ثلاثة احرف من اسمها وحرفين فقط من اسمك لكى تقول انك احببتها اكثر مما هى احبتك
اما عن الوزن
فانت اخترت وزن اسمك الذى هو ايضا وزن اسمها
فذلك يعبر على انك تتنفس حبها
فاختيار الوزن والاسم والاحرف بهذه الطريقة
يقول ان حبهاانتشر بداخلك وانك لا تعرف اين موطنه بداخلك بالضبط اذا اردت التخلص منه
وانك تقول ان الحب دائمالن يمت ولكن يبقى فى صورة ارود

انا لن اعلق بكلامى هذا على التدوينة ككل وان كنت اريد فقط تحليل الاسم (ارود)





عذرا اخى اريد ان اعلم كيف اصل الى تدوينة مئوية حلمى لان نظام المدونة مختلف تماما عن مدونات البلوج
طبعا انت تعلم ان مئوية حلمى كانت اول تدوينة فى ابو القسام واننى لم اعلق عليها فانا الان اريد التعليق على تدوينة ارود ولكن فى تدوينة مئوية حلمى
فارجو معرفة طريق الوصول اليها
aboalqassaam من مصر
03 شوال, 1429 05:09 م
قد كنت أقول بأن قليلين من رأوا أرودا ، ولكنك فقت ذلك ، ورأيت ما لم أر من أرود بادىء تسميتى له .

صحيح ما قلتيه ، من دفن الحروف ، ومن ميزان الحب المعوج لصالحى ، ومن عدوى الحب المنتشرة فى الجسد التى يخشى من القضاء عليها مخافة الإيداء بالجسد كله .

لا أدعى أنى راعيت هذه المعانى عندما قلت " أرود " ، ولكن ها هو أرود يثبت أنه ليس ولدا لأحد ، له سيدات كثر ..

قل من علق على هذه التدوينة .. لقلة من فهموا أرود .. سيدتى أحييك على هذه القراءة النافذة .