أبو القسام

كل ما يختلج مشاعري .. يجول في خاطري .. أسطره هنا بحبر أحمر يتلوَّن حبا .. يتدفق ثورة

الطريق إلى الثغر الأعلى

صيف 2004 ...
مستقل حافلة تشق طريقها عبر صحراء سيناء إلى العريش ، وسط عشرات من قرنائى ، تحمل ملامحنا شقوة الثانوية العامة ، وتغشى أعيننا أحلام الجامعة التى لا يعرف أينا ما هى ، وفى أغلب الأحوال نترك كل هذا الماضى ، وندع كل ذاك المستقبل ، لنفكر فى أربعة أيام نقضيها سويا فى معسكر العريش .
 
أحمل آلام الثانوية من فرض لنظام قسرى ، ليس تعليمى وفقط ، ولكن نظام شامل للحياة ، يلغى لك كل صفة إنسانية ، إلا أنك طالب ثانوية عامة .. يلغى عقلك ورغباته فى المعرفة والقراءة المختلفة ، يلغى إنسانيتك ورغبتك فى الحب والحياة ، يلغى حريتك فى التخطيط والترتيب لأولويات مستقبلك ، كما يحلو لك ، لا كما يحلو لهم .
 
أرنو إلى آمال الجامعة ، لا كدراسة ، ولكن كحياة جديدة يجب أن أنجح فيها ن بل يجب أن أرود فيها ، أغير فيها ، على الرغم من أن أستار غيب الله أسدلت دون معرفة ما هى الكلية التى سأنطلق من خلالها إلى هذه الآفاق .
 
فى هذه الأيام قضيت أجمل ساعات يمكن أن يبدأ بها الإنسان مرحلة جديدة فى حياته ، وأى ساعات أجمل من أن أكون بصحبة أفضل من عرفتهم من قرناء المرحلة السابقة : محمد رفعت ، عبد الرحمن حسام ، عمرو أشرف ، وأى ساعات أجمل من أن ألتقى لأول مرة بمن بعثه الله لى صاحبا فى مرحلتى الجديدة ، أى ساعات أجمل من التى حملت إلى حاتم الأنصارى صاحبا وصديقا وحبيبا ، من قبل أن يعلم كلينا أن الكلية ستجمعنا ، ثم العمل ، ثم النموذج ، ثم الحياة ، كل الحياة .
 
أى ساعات أجمل من الساعات التى اقتربت فيها من رفح ، ومن غزة ، ومن فلسطين ، أى ساعات أجمل من تلك التى أنشد فيها للمعسكر فى الصباح ، وأشارك فى تمثيل وتأليف المشاهد المسرحية فى العصر ، وأؤم لصلاة القيام فى جوف الليل .
 
صيف 2006 ...
أطوى الطريق مرة أخرى إلى العريش ، اشتاق لأرض سيناء ، بعد سنتين من الفراق ، بعد أن قطعت شوطا من أيام الجامعة ، بحلوها ومرها ، وإن كانت فى معظمها قصورا من رمال الشاطىء ، لم تختبر بعد سطوة الموج وقسوته .
 
أنظر إلى البحر .. إلى الشمس .. إلى النخيل ، ما ينقصنى كى أكون سعيدا ، ما ينقصنى .. نعم ينقصنى روحا تحس معى روحا تستمتع معى ، بل أسمتع معها ، بل أستمتع بها ومن خلالها ، من عينيها أرى كل هذا الجمال يزدان ويزدان ، وتزدان معه ، أحس بذلك مع كل شروق وغروب حيث أسر وحدى ، وأجمع لها القواقع والمحارات النادرة التى جلبها الموج من بطن البحر ، وأنظمها عقدا يظل حبيس درج مكتبى طوال هذه الأيام .
 
أقرر أيضا هذه المرة أن أكمل الطريق إلى رفح ، أن أقترب أكثر من عالم الثورة ، وأذهب فعلا إلى رفح ، وأقف إلى سورها الحديدى ، وأنظر طويلا ، وأدعو طويلا ، وأقبل غصن الزيتون وأقول له : عائد .
 
شتاء 2008
هذه المرة أشق الطريق فى ظلام دامس ، كالذى أطبق على من آخر مرة عدت فيها من سيناء ، ظلام أطبق على الشاطىء ، فحطم الموج قصور الرمال فى لحظة دون حتى أن أشيعها بنظرة الوداع ، ظلام يتيح لى أن أرسم كل معالم الطريق من أول وجديد ، أن أتخيل ما شئت فى الظلام ، فالضوء الذى يجبر البصر على رؤية الأشياء كما هى قد أفل من ساعات ، ولم يبقى إلا ظلاما يزداد كلما أوغلنا فى أرض سيناء ، وأنا لا أريد غير هذا أريد أن يطبق السواد على مرارة مرحلتى الفائتة ، أريد أن يبدلنى بعرائسى الغرقى ، فتاة الأحلام التى رسمتها على هذا الشاطىء أول مرة ، أريد أن أجتاز السور الذى وقفت أمامه عاجزا آخر مرة .
 
وعبرت العريش ، وعبرت رفح ، ودخلت غزة ، ونقلنى الحلم إنسانا جديدا ، يرتاد أفقا للحياة جديد ، يمد يده لكل عرائسه الغرقى ، دون أن يتنازل خياله عن فتاته الرائعة الحالمة ، يشق طريقا جديدا فى الثورة يحصل به على كل ما لم يحصل عليه بعد كل زيارة له إلى هذه الأرض ، لأنه اجتازها فعلا .
 
صيف 2008 ...
بعد أقل من ساعة أنطلق إلى هذه الأرض ، تتأرجح فى مخيلتى قمم الثورة التى اعتليتها فى هذه المدة القصيرة ، ويغلى فى مرجلى حمم الحب ، سأذهب إلى الشاطىء مرة أخرى وحدى ، سأتفقد قصور الرمال ، سأجمع القواقع والمحارات وأنظم القلادات ، سأنظر للشمس والنخيل ، سأحاول السير لرفح ، أو لغزة ، أو أعود من فورى ، لا أعلم .. لماذا أنا ذاهب ، وغلى أين سينتهى بى المسير ، هل سأبقى هل سأعود ،
 
كل ما أعرفه أننى أريد أن أذهب ، أن أذهب وفقط ، على أقرر أن أنشأ قصرا جديدا ، على أقرر أن أبدأ حبا جديدا ، وأنهى حبا أثيما ، عسى أقرر أشياء كثيرة ، هل سيكون ذلك ، أم أننى لن أنال من رحلتى إلى نثر الدموع التى تختنق فى مقلتى من شتائى الفائت إلى اليوم ، لا أعلم ، وعساى أن أعلم .
 
 


أضف تعليقا

Mai من مصر
06 رجب, 1429 08:21 م
على أقرر أن أنشأ قصرا جديدا ، على أقرر أن أبدأ حبا جديدا ، وأنهى حبا أثيما ،

i think en law kan fe 7oob aslaaan..mkontsh t2daaar t2ol el gomlaa dee... anyway good luck
moslma من مصر
10 رجب, 1429 02:18 م
السلام عليكم
يعجبنى هذا المزج فى كتاباتك بين المشاعر و الاحلام و الطموحات و آمالك لأمتك

ارى من هذا المزج بحث عن حبيبة تشاركك احلام حبيبتك الاخرى المتمثلة فيك و فى أفكارك و حبك لأمتك دون غيرة بل بحب جامح يصعد بكما الى مراتب العلو
ربنا يوفقك و يكرمك
و لا تيأس من جمع القواقع
اجمعها و اجعلها فى عقد الى ان تأتى هذه الأميرة

و ربنا يوفقك فى رحلتك و يسعدك و متفكرش فى تدوينة الشاطىء المجهول هناك
aboalqassaam من مصر
11 رجب, 1429 12:12 ص
العزيزة مى ..

أوافقك تماما ، الحب لا ينتهى بهذه البساطة لو كان حقيقيا ، ولكن تجديد الحب عندى ، وتطهيره من الآثام له معنى مختلف عن كل المعانى التى نسمعها ونشاهدها ونستقيها من " حبيبة الإعلام "

فالحب عندى لا يكون أثيما إلا إذا كان عامل تعطيل للمهمة الأولى فى الحياة ، فالله خلقنا لمهمة جليلة فى الأرض ( عمارتها ) ، ومنتهى عظيم فى السماء ( الجنة ) ، وأى مرحلة من الحب تعطل المرء عن المضى قدما فى مهمته ، أو تقصر به دون الوصول لغايته ، فهى مرحلة آثمة فى الحب ، يجب أن يراجع الإنسان فيها نفسه ليتطهر من آثامها ، لئلا يلصق بالحب فشله فى الحياة ، أو وقوعه فى الذنوب .

وماذا بعد تطهير قلبى فى ملح ماء البحر من هذه الآثام ، أعود إلى الشاطىء لأقرر تجديد هذا الحب ، ولا تعنى الجدة هنا الخلق من العدم ، فالحب متى ولد لا يموت إلا بموت الإنسان ولا يتنقل أبدا إن كان صادقا ، بل أقول - على رأيك - إن كان حبا أصلا ، أوما سمعت قول الشاعر :
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
aboalqassaam من مصر
11 رجب, 1429 12:17 ص
الرائعة ( ... ) أختى المسلمة

ليس هناك روعة فوق كلمات الكاتب أكثر من فهم المتلقى ، أحييك على هذه الدرجة من الفهم لموضوعاتى ، وطريقة معالجتى لأفكارى حبا وثورة

ولا حرمنى الله من كلماتك التى تبعث فى قلبى الأمل فى أن هناك من يفهمنى