ما الشعور الذي يمكن أن يُتخيل في ليلة مثل هذه الليلة ، ما الشعور الذي يمكن أن يحسه فتًى مسلم يشعر بأن هذه الليلة سيعيشها بلا دولة تحمي دينه ، نعم لقد أنزل الله الدين من السماء ، وطلب منا تطبيقه على الأرض ، وتطلب تطبيقه على الأرض دولة تقوم على هذا التطبيق .
وهذا هو الذي أخرج رسول الله من مكة إلى المدينة ، وهذا هو الذي جعل الصحابة يبيتون في السلاح ويصبحون في السلاح ، وهو الذي جعل الخلفاء الأربعة يسهرون على هذه الدولة ، وكلما خبا نورها في شعلة طائفة انتقلت إلى شعبة طائفة أخرى .
وهكذا انتقلت من الأموين إلى العباسيين إلى الأيوبيين إلى المماليك ، وفي المكان من الشام إلى العراق إلى الأندلس إلى بلاد المغرب ، وهكذا كانت آخر المشاعل هي استنبول .. وهكذا كان آخر حامليها العثمانيين .
إحساس فريد يحسه ذلك الفتى ، فالدين ما زال قائما وسيظل ، ولكن الدولة هذه الليلة ستزول ، ولا يعلم متى ستعود ، لن يخرج في الصباح فيرفع علمها ، ولا يهتف لراياتها ، ولا يعلم إلى أي كيان سيدعوا ويؤمن بعد هذه الليلة .
تعلمون هذا الإحساس أتلمسه في ليلتي هذه .. إحساس أن توجد الروح ، ولا يوجد جسد تحل فيه ، إحساس أن يظل المعنى ، ويرفع الإطار الذي يحويه ، وإن لم يكن هناك أعظم من الدين روحا ومعنى ، ولا أجل من دولة الإسلام جسدا وأطرا .. فإن هناك الكثير من المعاني التي تموت وتسقط بيننا كل ليلة ، لأنها لا تجد أجسادا نقية تحملها ، ولا أطرا واعية تحفظها .
الليلة تسقط في نفسي دولة الحب .. نعم تتوارى الحبيبة ، كل حبيبة تجسد فيها هذا المعنى ردحا من الزمان .. يسقطون كلهم دفعة واحدة ، ترتفع روح الحب عنهم بضربة جناح واحد ، تحلق فوق رأسي ، يائسة من الهبوط قبل ثلاثة أشهر ، قد استنفزت الأيام كل ما لديها لإقامة هذه الدولة ، قد تلمست كل السبل إلى تلك الحبيبة ، وطرقت كل الأبواب إلى الأخرى ، وفي كل مرة تتقطع بي الحبال لم أكن أشعر هذا الشعور ، لأن الشعلة - شعلة الحب - تنتقل في الصباح من يد هذه إلى يد الأخرى ، كما انتقلت شعلة الخلافة تماما بتمام .
والليلة استيأستُ من يد تحملها ، بكل واقعية استيأستْ يدي من أن تتيه في يوم جامعي بخاتم فضي أنيق يلمع في بنصرها ، استيأست من ذلك الصنم العنيد الذي يأبى على مشاعرنا إلا أن تكبت حتى نخرج من جامعاتنا ، أو تخرج ولكن بلا سبيل .. استيأست من أن أقول قريبا .. أخيرا خطبت
الآن .. والآن فقط ، يمكنني أن أنسى قليلا أمر هذه الفتاة أو تلك ، يمكنني أن أتمتع بالمعنى أكثر ، يمكنني أن أسرف في الأحلام أكثر وأكثر ، وأرفرف في عالمها أبعد وأرحب .
ورغم أنها مدة لن تتجاوز المئة يوم إلا أن هذا الخيار هو الخيار الوحيد والأمثل أمامي ، نعم هناك كم من الإنجازات لا يمكن أن يتحقق بدون دولة الحب هذه ، بدون أن يكون في قرارة نفسي أنه ما زالت لي دولة مقيمة في نفسي ، أسعى إلى إقامتها في الواقع ، ولكن الواقع أنني مع إقراري بحالة الانهزام أمام نفسي في هذا الميدان ، سأنهزم في الميادين الأخرى ، ولن أجلب على فكرتي إلا الدمار ، والشماتة الأبدية .
نعم يجب أن أتركها الآن ترفرف وتحلق ، وتعود لي ، وأنا أقوى مما كنت عليه ، لن أترك شعاع الشمس بعد اليوم يتلف ناظري لأنها ليست معي .. في صباح الغد فقط وبعد هذه الليلة يمكنني أن أشتري النظارة .
لن أترك غريم الشجن يسيطر على ويفقدني صوابي في الامتحانات .. في صباح الغد فقط وبعد هذه الليلة يمكنني أن أستقبل نبأ حصولي على جيد جدا ، وأنا غير آسف أن النتيجة واحدة ، وأنني ما زلت منهزما مهما يكن من انتصار ..
في صباح الغد فقط وبعد هذه الليلة ، يمكنني أن أذهب إلى مقر النموذج في الكلية .. أجلس على مكتبي ، وأخطط لدورة تمهيدية ناجحة ، وأحذف من الخطة أن تشاركني خطيبتي تقديم حفل الافتتاح .
يمكنني أن أفعل كل ذلك وأنا أنظر إلى هذا الطائر الجميل الذي طالما حبسته في أقفاص فضية وذهبية وماسية .. يحلق في الفضاء وينتظر العودة بفارغ الصبر .











16 ربيع الأول, 1429 08:36 م