أبو القسام

كل ما يختلج مشاعري .. يجول في خاطري .. أسطره هنا بحبر أحمر يتلوَّن حبا .. يتدفق ثورة

عائد من غزة ( الحلقة الثالثة )

خطوات ثقيلة تقربني من بيت فيه أهلي وناسي ، وتقصيني عن بيت سكنت فيه روحي .. خطوات بطيئة تفصل بين موقف آخر سيارة في رحلة العودة ، وأول درج في سلم المنزل .. خطوات قليلة ، لكنها مهمة .. مهمة لكي أثبـِّت كل ملامح الحلم في ذاكرتي ، فقد أفقت منه للتو ، وإن لم أتذكر الآن قد لا أتذكر آنفا ، لقد كان هذا هو الوقت ما بين فرك عيني وتمدد يدي في الهواء وما بين هبوطي من على الفراش .. فراش الأحلام .
 
إذن فلأكمل الرحلة ، فليكتمل المشهد على تلك الأرض العجيبة .. رفح ، على ذلك المرتفع القريب من الجدار المنهزم أمامي ، والبيت النصف مهدم خلفي ، وقفت أرقب على مرمى بصري مئات من الناس ، وعشرات من الجنود ، يتماوجون ويتدافعون ، وشبح غلق المعبر يفوح في الميدان ، وبجواري وقفت تتسائل بصوت مرير : المعبر هَيْسَكْروا ؟
 
تنبهت إليها سيدة في الأربعينات من عمرها ، ملامحها عني ليست بالغريبة .. صوتها الكسير سمعت منه قبل ذلك الكثير .. عينها الحائرة لا أنظر إليها للمرة الأولى ، هي على ترقرقها كالشمس تختلف إليها مقلتاي الفينة بعد الفينة ولا تستطيع أن تثبتا لئلا تتلفا ، ولما أن همت بالمضي سائلتها .
 
- حضرتك فلسطينية ، أقصد من رفح أم من داخل القطاع ؟
 
- لا يهم على أي رقعة من هذه الأرض أعيش ، فكلها سواء ، كلها مخنوقة ، كلها محاصرة .. ( ناظرة مرة أخرى إلى ثغرات الحدود التي ردمت بعشرات الجنود ) : كما ترى .
 
مضت مسترسلة وكأنني نكأت فيها جرحا فسالت دماؤه تتدفق : غزة .. كانت اليوم في عيد ، ابتسمت ليوم واحد .. وأتوا الساعة كي ينتزعوا منها البسمة ، كي يقنعوا اليتيمة أن يوم العيد انتهى ..
 
أكملت - وهي تنظر إلى مئات الناس التي تحمل في أيديها وفوق ظهورها الأوعية الفارغة  وأعينها يئسة من العودة بها ملآنة : ولكن شمسه لم تغرب بعد كما ترى .
 
انطلقت وراء الكلمات مباشرة أحاول لملمتها : لكن سيدتي هذه البسمة أنتم صانعوها ، هذا العيد أنتم الآتين به ، انظري سيدتي لهذا البرج ، تعرفين من كان يقف عليه قديما .. تعرفين ..
 
كممت فاهي وبدت وكأنها تدفع اللوم عني : أنا أعرف أكثر منك .. أعرف كيف حوصرنا ثمانية أشهر ، وفي الشهر الأخير لم نطق صبرا ، كنا نقف مع شروق كل شمس على باب معبركم ، نناشدكم بعجائزنا ومرضانا وأطفالنا .. نناشدكم الله والرحم ، حتى اعتلينا الأسلاك والأشواك .. حتى وطأت أقدامنا بعض أرضكم ، دفعونا وردونا و ...
 
- لا تكملي .. لا تكلملي ، أنا لم أستطيع أن أكمل مشاهدة ذلك اليوم على الصفحات والشاشات ، كان قبل يويمن من انكسار السور ، فكيف أصمد أمام صوت وصورة حقيقيتن .. أرجوك .
 
- لا تلومن نفسك ، نحن نعرف كيف هو الفرق بينكم وبينهم ، كل ما آسى عليه هو أننا كنا نمرق الواقفين على هذا السور دوما بكل إباء وشموخ ، ولم تستجدهم أعيننا يوما من الأيام حتى اندحروا ، ولما أن أتى أناس من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا وكسرنا نظرات أعيننا أمامهم .. مازادهم ذلك إلا نفورا !
 
لم أستطع أن أطلب منها المزيد ، لم أرد أن أطلب منها المزيد ، يكفي هذا ، هذا يفيض .. أكملت طريقها نحو ذلك المنزل القريب النصف مهدم .. برقت عيني وهى تهم بصعود درجه .. همست في نفسي : هي .. نعم هي .
 
جريت نحو باب المنزل : عذرا أتسكنين هنا ؟
 
أجابت وقد فهمت مغزى الأسئلة المتكررة : نعم أسكن .. أسكن وقد لا تعني لي شيء هذه القذائف المستقرة في جسد لبنات جدراني .. 
 
- لم تحملك يوما عن الرحيل ؟
 
- ( أكملت غير عابئة بسؤالي )  ولكن قد يعني لي أكثر الذي لا تعرفه .. قد يعني لي أن تستقر قذائفهم في جسد صفل خرج على إثر صوت النيران إلى الشرفة المتهالكة يلملم ملابسه الجافة قبل أن تحترق .. فاحترق ..
 
أفهمت الآن .. لا يجب أن تعني لكم هذه البنايات المقصوفة شيء قبل أن تعني لكم هذه القلوب المكلومة على أهلها .. لم ننقض حجرا من بناء تهدم قط إلا لنبني فوقه عشرة .. لم تواري منا أم ولدها قط إلا وخلفت ورائها عشرة .
 
لم تكن نبرتها نبرة الثكلي تشتكي ألما ، ولا اللائمة تستجدي عطفا ، بل المعلمة تؤدي رسالة ، وتعلم شيئا ، تعلم صمودا ، ومقاومة ، وعزة .
 
انحنيت من أمامها أخيرا .. أفلتها تصعد على الدرج المتماسك .. ظللت أرقب البيت إلى أن استقرت في شرفته المتهالكة ، وعادت لترقب الموقف من بعيد .. تحمل عيناها شيء من أمل ، وأشياء من قلق .. وفي كل حال متوجة بالصمود .
 
رجعت خطوات إلى الوراء ، صديقي ينبهني بأن وقت الجمعة يقترب ، يلوح إلى مكان بعيد : هناك قالوا لي .. يمكننا أن نستقل السيارات إلى غزة .. هيا أسرع .
 
سحبني من يدي وأنا أنساق وراءه ، وعيني ما زالت معلقة بالبيت نصف المهدوم ، مازالت تعيد تفسير النظرات التي رأيتها من قبل على الشاشات وفي الصفحات ، أحس لأول مرة المعنى الحقيقي لها .. وما يكون وراءها .
 
في لحظات كنا ندلف عبر الشوارع الفلسطينية من رفح التي لم تختلف كثيرا عن أختها المصرية في الشكل .. ولكن تختلف كثيرا في المعنى ، وكلما مضت بنا السيارة أكثر وأكثر ، كلما اختفت الملامح المصرية وبدت الملامح الفلسطينية كما لم أتخيلها يوما ما في أحلامي .
 
لم أكن أحس أننا نركب في مقعد خلفي من سيارة أجرة تلتهم طرقات شبه فارغة في وقت الضحى .. لم أكن أحس أننا نسير في شوارعها بل كنت أحس بأن الشوارع هي التي تحتضننا وتسير بنا .. لم أكن أحس أنني أنظر إلى جدرانها ، بل كنت أحس أن جدرانها هي التي تنظر إلينا وتسكننا ، لم أكن أحس أنني أرنو إلى راياتها ، بل كنت أحس أن راياتها هي التي ترفرف بقلبي فوق السحب ، صحيح أن غزة هي أول مدينة غير مصرية أزورها ، صحيح أنها حقيقة لا يمكن أن تصدق ، ولكن كل هذا لا يمكن أن يقوم علة على ما أحس به .
 
أنظر من زجاج السيارة نصف المفتوح فأرى  كل حجر فيها مرابط في سبيل الله ، طوع كل طفل يقذف به في وجه صهيوني .
 كل جدار فيها يزف بشرى شهيد أو يحمل دعوة جهاد ، أو يثأر لدماء طفل .. طوع لكل يمين تكتب فوقه بالحبر الأحمر كل شعارات البطولة والفداء . 
 كل عمود فيها يحمل صور الشهداء ، ووصيا المجاهدين ، التي تنيرها ليلا ، لأن مصابيحها الكهرباء عنها قد انقطعت .
حتى المحال التي تفتح نصف أبوابها وتغلق النصف الآخر .. لا تحمل أرففها أي بضاعة ، لا تحمل زيتا ولا خلا ، لا تحمل شايا ولا سكرا ، ولكنها تحمل فقط إرادة .. وعزة .. وصمود ، تحمل هذه الثلاث سلع ، التي لا تخلو غزة من إياهن مهما زاد عليها الحصار وطال . 
 
ها قد اقتربنا من الساحة الرئيسية في غزة ، وها هم الناس قد بدأوا في التبدير إلى صلاة الجمعة ، تبطىء السيارة وقد دخلت السوق الرئيسية في غزة ، ويخبرنا السائق الودود الذي ما فتأ يرحب بنا من أول لحظة ركوبنا إلى سيارته ، بأن أمامنا أقل من عشر دقائق ونستمع إلى إلى أقوى خطيب في غزة .. يعدنا بأننا سنستمتع بالخطبة .. ونستمتع بالرحلة .. وسنقضي يوما لم نر مثله في غزة .
 


أضف تعليقا

مطالب العلا من مصر
17 صفر, 1429 08:09 م
فى البداية أرجو أن تلتمس لى العذر خىِّ أحمد على أننى لم أعلق على أى حلقة وذلد لأننى كنت أود أن أعلق فى نهاية الحلقات ولكننى ما أستطعت أن أصبر أكثر من ذلك مع أننى الآن قد تفلت منى الكلام ولا أعلم ماذا أقول غير أننى أفتح مدونتك يومياً لكى أعلم ما حدث فى باقى الرحلة
AAYAT من مصر
20 صفر, 1429 04:37 م
لم ترض إلا أن تكون عائدا من غزة , وأنا لن أرضى إلا... ألا أعود إطلاقا .
أسأل الله أن يبلغ كلا منا ما يريد

سألـتـني في حـمـانا ظـبـية : أتحب الشوق في عين صبية
قلت لا أعشق حسنا ظاهرا , أو أرى الحب عيونا نرجسية
إنما أعـشـق صـدرا عامرا يحمـل الموت, ويـزهو بالمنـية
أدركت سري وقالت ظبيتي: أنت لا تـعـشق غـير البـندقـية
aboalqassaam من مصر
25 صفر, 1429 09:32 م
عودا حميدا علا

وأرجو أن تعذريني عن تأخري في نشر الحلقات

ولا يؤخرني سوى المشاغل ، التي لا أظن أنها تنقشع قريبا .

____________________

بورك حبك يا آيات ، وبوركت حبيبتك

ولتعلمي أنني لم أعد إلا لأعود

أي عدت لأتمم رسالة بدأتها هنا ، حتى إذا شارفت على التمام ، ذهبت من حث عدت