هل تستطيع أن تفكر داخل الحلم ؟
هل تستطيع أن تشعر داخل الحلم ؟
هل تستطيع أن تحلم داخل الحلم ؟
لا تستطيع أن تملك أي شيء داخل الحلم ، حيث يأخذ القدر بناصيتك في رؤية هذا العالم الذي لم تستطع أن تصل إليه في صحوك ، بإرداتك .. وتدبيرك .. وخططك .. وحكمك ، إنه نعمة إلهيه كبرى ، تجعلنا متعلقين دائما بإمكانية حدوثه ، والعيش فيه حقيقة ، تجعلنا دائما نسير بأقدامنا على الأرض ، ونرنوا بأعيننا إلى السماء .
جدلية تنتهي بأن الحلم قد انتهى ، بأن قدماى لمست أناملها حصات الأرض الجافة ، بعد رحلة في آفاق السماوات رحبةً ، تنتهي بأن قدماي قد لمست أرض مدينة نصر عند نزولي من آخر مواصلة تقلني إلى دياري عائدا من غزة .
حلم حلمت بأن أحلم به منذ نعومة أظافري ، منذ الصفوف الابتدائية وأنا أصعد الجبل الصغير القريب من المدرسة ، وأمني نفسي أن ورائه مجاهدين صابرين يستبشرون بقدومي ، وأعداء صناديد يرهبون جنابي ، حتى إذا تقدمت يوما في السير ورأيت سلكا شائكا لمعكسر قديم ، قلت مر اليهود من هنا ، وحتما سأحارب يوما ما ها هنا ، كنت أعود في اليوم التالي إلى المدرسة لأقرأ معارك البطل منصور وعبد الفتاح في معسكر الأعداء أمام زملائي ، لا من درس القراءة ولكن من ذاكرة الخيال .
وتمر الأعوام ، وتخرج الانتفاضة ، وتخرج معها حنجرتي تصدح بهذا الحلم ، تنشد للقدس ، تنشد للحجر ، تنشد لحماس ، لا في صفي وحده ، بل في كل الصفوف ، لا في مدرستي وحدها ، بكل في كل مدرسة ، جعلت من تلك الأهازيج نشيدا للصباح يحدوه الطلاب ، فيحدو أيامي .
وتمر الأعوام .. وأخرج في أول معسكر على أرض سيناء ، وأعبر لأول مرة القناة ، وأحس أنني أقترب من الحلم ، بين أرض معسكرنا وبين أرض الحلم عشرات الكيلو مترات ، نعم ، لكنها أقرب نقطة وصلت إليها حتى الآن ، وحين انطلق صفير قائد المعسكر يعلن رحلة من العدو المتواصل حتى الوصول إلى رفح ، عندما أرى في عيون الشباب بريق الجهاد يحدوها لكي تعدوا ثلاث ساعات على الطريق ، وبعدها نكشف أننا ما اقتربنا إلا بالتمني ما اقتربنا إلا بضعة كيلو مترات ، ولكن إن لم تقترب أجسادنا ، فقد اقتربت أرواحنا ، ولن تنمحي من الذاكرة ذلك الصوت الأجش المبحوح الذي يتقطع من العدو " استيقظي يا أمتي " .. " يا أمة المليار " .. " حماس يا نور العين " ..
وبعدها بأيام تواصل الجسد مع الروح فيما وصلت إليه ، بعدها بأيام قليلة وقفت على بوابة صلاح الدين منفردا ، رأيت أول نجمة بغيضة تقبع على علم مرتفع ، وعلى خوذة جلف مغتصب يقف على برج حديدي مزروع تحته عشرات من الأسلاك الشائكة ، رأيت أول بيت قد هتكته القذائف والرصاص من كل جانب ، وفي شرفته رأيت عيني أول امرأة مزعورة تلملم الملابس الجافة من حبائل الغسيل في سرعة مرجفة لئلا تحترق هي ولا ملابسها .
رأيت كل ذلك عن بعد ، وكان عن قرب خلفي شجر من زيتون ، قطفت إحدى أغصانها مسائلا : أزيتونة فلسطينية أم سيناوية أنت ؟
ولما لم تحر جوابا على هذا السؤال الأحمق ، فهمت كم نحن بائسون .. قطعت إحدى أوراقها ، وأخرجت الحبر الأحمر من قلبي وكتبت عليها : ( عائد .. عائد ) ،.. واريت الورقة بالتراب ، وقفت على قبرها ، صليت ركعتين .. دعوت الله بأخلص ما دعوته به .. أن أعود .. أن أعبر إلى الضفة الأخرى ، ألا آتي إلى هنا ثانية ، إلا وقد سقطت تلك الخوذة اليهودية ، وسقط ذلك البرج الحديدي ، وهلكت تلك الأشواك السلكية ، وذهب الحزن عن تلك العيون الفلسطينية .
لم يمض سوى عام ، وتعلن حماس أنها أنهيت لتوها أول مرحلة من مراحل تحرير التراب الفلسطيني ، أن العدوان الإسرائيلي انسحب من غزة ، كل غزة ، أن المغتصبات الفاصلة بين رفح ونابلس ، وبين معسكر جباليا وبيت حانون قد أخليت ، أن الجنود القابعين على الجدار القاطع بين رفح المصري ورفح الفلسطينية ، قد اندحروا ، أن غزة باتت أبية ، باتت بلا احتلال ، وإن لم تبت بعد بلا خيانة .
لم يمض سوى عام وكان الشعب الفلسطيني ، كل الشعب الفلسطيني ، يرفع للرايات الخضراء ، يهتف للرايات الخضراء ، وينحِّي الصفراء ، وانطلق قيادات الأعلام الخضراء إلى كل الدنيا ، يعلنون نصرهم الأشم ، وينقلون دعوتهم الأبية ، وجاءوا إلى أحضان القاهرة ، وتـُقت لكي أرى هؤلاء الرجال ، القادمين من الحلم ، يحكون لي عن الحلم ، وينثرون أمامي خيوطه خيطا خيطا ، سمعت من الزهار - في نادي جامعة القاهرة - وهو يحكي عن الرباط والمرابطين ( ومنهم ابنه الأكبر خالد الشهيد ) ، سمعت من نزار ريان - في نقابة المحاميين - وهو يحكي عن الجهاد والاستشهاديين ( ومنهم ابنه الأكبر إبراهيم الشهيد ) ، سمعت من أسامة حمدان - في مؤتمر القاهرة - وهو يتحدث عن السياسة والسياسيين وليسوا كما هم هنا ، سمعت من مشير المصري - في نقابة الصحفيين - وهو يتحدث عن الحصار والصامدين رأيت أناسا يمشون على الأرض ولا يرنون إلى السماء ، لأن رؤوسهم تناطح السحاب أصلا ، وترتفع بين النجوم .
اقترب الحلم أكثر وأكثر ، نعم رأيته من بعيد تارة ، وأتاني من يحدثني عنه ، ويبشرني به تارة ، وانطلقت كل الأحداث بعد ذلك تصب في النهر الموصل إليه ، فطـُهِّرت أرض غزة من نفاق وخيانة الألوية الصفراء ( في الحسم العسكري ) ، وتتابعت حلقات مسلسل الحصار من كل مكان في الدنيا ، حتى انفجر النهر حتى انفتح المعبر ، حتى رن الهاتف يوم الأربعاء صباحا وأنا ذاهب إلى آخر امتحان في نصف العام : أحمد أبشر المعبر فتح تماما اليوم الفجر ، ألن تأتي ؟ .
لم أصدق ما أسمع ، أحق هذا ؟ ، هل سأذهب إلى الحلم ، هل سأطأ تلك الأرض ، هل سأقطع ثانية طريق رفح ؟ ، هل سأقف ثانية على بوابة صلاح الدين ، هل سأعبر هذه المرة أم لا ، هل أرى تلك النجمة ثانية أم لا ، هل .. وهل .. وهل ..
أسئلة ظلت تدور برأسي طوال خمس ساعات هي الطريق بليل الخميس من باب بيتي إلى العريش ، ليت كان تحتي البراق كي لا تستنزف عقلي كل هذه الحيرة والقلق ، لكنها حافلة عادية يقف بها الطريق تارة ويمضي تارة ، هذا كمين ، وهذه بوابه رسوم ، وهذه استراحة الطريق ، هذا هاتفي يرن طوال الطريق ، وأصوات تتعالى منه : أحمد أأنت مجنون .. عد .. ارجع .. أنت تخاطر هناك .. أنت تفعل كل ما عليك هنا .. لا لا أحمد .. أحمد
وأنا أرد بكل برود وهدوء ، وشرود إلى ذلك الضوء الخفي المبنعث من ظلمة غزة .. لا لن أعود .. لن أعود ، إنه حلمي الثائر ، قتلتوا حلمي حبا قبل ذلك هنا ، لن أدعكم تقتلون حلمي الثورة هناك ، لن أرضى بأن أعود ، ولا حتى بأن أكون عائدا من العريش ، ولا عائدا من رفح ، لن أرضى إلا بأن أكون عائدا من غزة .











28 محرم, 1429 05:10 م