أبو القسام

كل ما يختلج مشاعري .. يجول في خاطري .. أسطره هنا بحبر أحمر يتلوَّن حبا .. يتدفق ثورة

عائد من غزة ( الحلقة الأولى )

هل تستطيع أن تفكر داخل الحلم ؟
 
هل تستطيع أن تشعر داخل الحلم ؟
 
هل تستطيع أن تحلم داخل الحلم ؟
 
لا تستطيع أن تملك أي شيء داخل الحلم ، حيث يأخذ القدر بناصيتك في رؤية هذا العالم الذي لم تستطع أن تصل إليه في صحوك ، بإرداتك .. وتدبيرك .. وخططك .. وحكمك ، إنه نعمة إلهيه كبرى ، تجعلنا متعلقين دائما بإمكانية حدوثه ، والعيش فيه حقيقة ، تجعلنا دائما نسير بأقدامنا على الأرض ، ونرنوا بأعيننا إلى السماء .
 
جدلية تنتهي بأن الحلم قد انتهى ، بأن قدماى لمست أناملها حصات الأرض الجافة ، بعد رحلة في آفاق السماوات رحبةً ، تنتهي بأن قدماي قد لمست أرض مدينة نصر عند نزولي من آخر مواصلة تقلني إلى دياري عائدا من غزة .
 
حلم حلمت بأن أحلم به منذ نعومة أظافري ، منذ الصفوف الابتدائية وأنا أصعد الجبل الصغير القريب من المدرسة ، وأمني نفسي أن ورائه مجاهدين صابرين يستبشرون بقدومي ، وأعداء صناديد يرهبون جنابي ، حتى إذا تقدمت يوما في السير ورأيت سلكا شائكا لمعكسر قديم ، قلت مر اليهود من هنا ، وحتما سأحارب يوما ما ها هنا ، كنت أعود في اليوم التالي إلى المدرسة لأقرأ معارك البطل منصور وعبد الفتاح في معسكر الأعداء أمام زملائي ، لا من درس القراءة ولكن من ذاكرة الخيال .
 
وتمر الأعوام ، وتخرج الانتفاضة ، وتخرج معها حنجرتي تصدح بهذا الحلم ، تنشد للقدس ، تنشد للحجر ، تنشد لحماس ، لا في صفي وحده ، بل في كل الصفوف ، لا في مدرستي وحدها ، بكل في كل مدرسة ، جعلت من تلك الأهازيج نشيدا للصباح يحدوه الطلاب ، فيحدو أيامي .
 
وتمر الأعوام .. وأخرج في أول معسكر على أرض سيناء ، وأعبر لأول مرة القناة ، وأحس أنني أقترب من الحلم ، بين أرض معسكرنا وبين أرض الحلم عشرات الكيلو مترات ، نعم ، لكنها أقرب نقطة وصلت إليها حتى الآن ، وحين انطلق صفير قائد المعسكر يعلن رحلة من العدو المتواصل حتى الوصول إلى رفح ، عندما أرى في عيون الشباب بريق الجهاد يحدوها لكي تعدوا ثلاث ساعات على الطريق ، وبعدها نكشف أننا ما اقتربنا إلا بالتمني ما اقتربنا إلا بضعة كيلو مترات ، ولكن إن لم تقترب أجسادنا ، فقد اقتربت أرواحنا ، ولن تنمحي من الذاكرة ذلك الصوت الأجش المبحوح الذي يتقطع من العدو " استيقظي يا أمتي " .. " يا أمة المليار " .. " حماس يا نور العين " ..
 
وبعدها بأيام تواصل الجسد مع الروح فيما وصلت إليه ، بعدها بأيام قليلة وقفت على بوابة صلاح الدين منفردا ، رأيت أول نجمة بغيضة تقبع على علم مرتفع ، وعلى خوذة جلف مغتصب يقف على برج حديدي مزروع تحته عشرات من الأسلاك الشائكة ، رأيت أول بيت قد هتكته القذائف والرصاص من كل جانب ، وفي شرفته رأيت عيني أول امرأة مزعورة تلملم الملابس الجافة من حبائل الغسيل في سرعة مرجفة لئلا تحترق هي ولا ملابسها .
 
رأيت كل ذلك عن بعد ، وكان عن قرب خلفي شجر من زيتون ، قطفت إحدى أغصانها مسائلا : أزيتونة فلسطينية أم سيناوية أنت  ؟ 
 
 ولما لم تحر جوابا على هذا السؤال الأحمق ، فهمت كم نحن بائسون .. قطعت إحدى أوراقها ، وأخرجت الحبر الأحمر من قلبي وكتبت عليها : ( عائد .. عائد ) ،.. واريت الورقة بالتراب ، وقفت على قبرها ، صليت ركعتين .. دعوت الله بأخلص ما دعوته به .. أن أعود .. أن أعبر إلى الضفة الأخرى ، ألا آتي إلى هنا ثانية ، إلا وقد سقطت تلك الخوذة اليهودية ، وسقط ذلك البرج الحديدي ، وهلكت تلك الأشواك السلكية ، وذهب الحزن عن تلك العيون الفلسطينية .
 
لم يمض سوى عام ، وتعلن حماس أنها أنهيت لتوها أول مرحلة من مراحل تحرير التراب الفلسطيني ، أن العدوان الإسرائيلي انسحب من غزة ، كل غزة ، أن المغتصبات الفاصلة بين رفح ونابلس ، وبين معسكر جباليا وبيت حانون  قد أخليت ، أن الجنود القابعين على الجدار القاطع بين رفح المصري ورفح الفلسطينية ، قد اندحروا ، أن غزة باتت أبية ، باتت بلا احتلال ، وإن لم تبت بعد بلا خيانة .
 
لم يمض سوى عام وكان الشعب الفلسطيني ، كل الشعب الفلسطيني ، يرفع للرايات الخضراء ،  يهتف للرايات الخضراء ، وينحِّي الصفراء ، وانطلق قيادات الأعلام الخضراء إلى كل الدنيا ، يعلنون نصرهم الأشم ، وينقلون دعوتهم الأبية ، وجاءوا إلى أحضان القاهرة ، وتـُقت لكي أرى هؤلاء الرجال ، القادمين من الحلم ،  يحكون لي عن الحلم ، وينثرون أمامي خيوطه خيطا خيطا ، سمعت من الزهار - في نادي جامعة القاهرة - وهو يحكي عن الرباط والمرابطين ( ومنهم ابنه الأكبر خالد الشهيد ) ، سمعت من نزار ريان - في نقابة المحاميين - وهو يحكي عن الجهاد والاستشهاديين ( ومنهم ابنه الأكبر إبراهيم الشهيد ) ، سمعت من أسامة حمدان - في مؤتمر القاهرة - وهو يتحدث عن السياسة والسياسيين  وليسوا كما هم هنا ، سمعت من مشير المصري - في نقابة الصحفيين -  وهو يتحدث عن الحصار والصامدين  رأيت أناسا يمشون على الأرض ولا يرنون إلى السماء ، لأن رؤوسهم تناطح السحاب أصلا ، وترتفع بين النجوم .
 
اقترب الحلم أكثر وأكثر ، نعم رأيته من بعيد تارة  ، وأتاني من يحدثني عنه ، ويبشرني به تارة ، وانطلقت كل الأحداث بعد ذلك تصب في النهر الموصل إليه ، فطـُهِّرت أرض غزة من نفاق وخيانة الألوية الصفراء ( في الحسم العسكري )  ، وتتابعت حلقات مسلسل الحصار من كل مكان في الدنيا ، حتى انفجر النهر حتى انفتح المعبر ، حتى رن الهاتف يوم الأربعاء صباحا وأنا ذاهب إلى آخر امتحان في نصف العام : أحمد أبشر المعبر فتح تماما اليوم الفجر ، ألن تأتي ؟ .
 
لم أصدق ما أسمع ، أحق هذا ؟ ، هل سأذهب إلى الحلم ، هل سأطأ تلك الأرض ، هل سأقطع ثانية طريق رفح ؟ ، هل سأقف ثانية على بوابة صلاح الدين ، هل سأعبر هذه المرة أم لا ، هل أرى تلك النجمة ثانية أم لا ، هل .. وهل .. وهل ..
 
أسئلة ظلت تدور برأسي طوال خمس ساعات هي الطريق بليل الخميس من باب بيتي إلى العريش ، ليت كان تحتي البراق كي لا تستنزف عقلي كل هذه الحيرة والقلق ، لكنها حافلة عادية يقف بها الطريق تارة ويمضي تارة ، هذا كمين ، وهذه بوابه رسوم ، وهذه استراحة الطريق ، هذا هاتفي يرن طوال الطريق ، وأصوات تتعالى منه : أحمد أأنت مجنون .. عد .. ارجع .. أنت تخاطر هناك .. أنت تفعل كل ما عليك هنا .. لا لا أحمد .. أحمد
 
وأنا أرد بكل برود وهدوء ، وشرود إلى ذلك الضوء الخفي المبنعث من ظلمة غزة .. لا لن أعود .. لن أعود ، إنه حلمي الثائر ، قتلتوا حلمي حبا قبل ذلك هنا ، لن أدعكم تقتلون حلمي الثورة هناك ، لن أرضى بأن أعود ، ولا حتى بأن أكون عائدا من العريش ، ولا عائدا من رفح ، لن أرضى إلا بأن أكون عائدا من غزة .
 


أضف تعليقا

ahdafona من فلسطين
28 محرم, 1429 05:10 م
الواقع كنت سأستمرّ في القراءة حتّى النّهاية
لكنّي امتنعت استدراكا لبعض النّقاط فاسمح لي أن أذكرها
أولا: كثيرة هي الاخطاء الإملائية في الوصلة
ثانيا: واضح توجّهك ورأيك جليّ جدّا مما يجعل القارئ غير قادر على عيش الكلمات

أرجو استدراك هذه النّقاط، ٍاعود إلى الموّدنة لأتابع القراءة الآن، وننتظر منك استمرارا إن شاء الله
doromia من مصر
29 محرم, 1429 07:26 م
الله اكبر

حقا اغبطك اخى

كم كنت اتمنى ان اكون هناك
ان شاء الله تكون الرحلة القادمةوغزة محررة والقدس لنا



ابناء فلسطين صبرا ..فالله ينفس كربتنا
ستعودلنا قدسٌ داراً..وتعود لنا قدس وطنا ..

دعوة الفردوس من مصر
03 صفر, 1429 12:10 ص
صليت ودعوت بأخلص مادعوت
فاستجاب الله للدعاء

هلا صليت من أجلي
ودعوت لي
أخي
بكيت كل دموعي
و استدعت عيني كل قطرة ماء في جسدي كله
بعدما أصابها الجفاف الذي أعالج منه الان
ولم تعد تكفي المياه للبكاء
بكيت دما و آهات
كم كنت أتمنى أن تطأ قدماي أرض الشهداء
أرض الايمان
كم تمنيت زيارة بيت شيخنا الياسين
تقبيل الأرض التي لمستها قدماه و عجلات كرسيه
كم تمنيت أن أرتدي شاله المحترق
وأجوب شوارع غزة
في مظاهرة
وحدي
أسترجع كل شهدائنا
أسترجع كل آهاتنا
أفرح بنصر عزنا وعزتنا وغزتنا

أكمل أخي الحلم
دعني أحلم معك
لعلي أحقق في حلمي معك
مالم أحققه في سنوات عمري العشرين
aboalqassaam من مصر
04 صفر, 1429 06:35 ص
أختي من فلسطين ، لك تحية خاصة كأول فلسطينية أتشرف بزيارتها لمدونتي

وأعدك بالمزيد من الدقة
aboalqassaam من مصر
04 صفر, 1429 07:03 ص
أما أخواتي المصريات

أنا فعلا أستشعر نعمة الله على بأن أكرمني بهذه الرحلة

ولكنني قد لا أكون أفضل حالا منكما بعد العودة منها ، لأنها الآن هي بالأحرى حجة على ، لا حجة لي

فإن لم أصل إلى ما شاهدته هناك ولو في همتهم فقط ، أكون ما أديت شكر هذه النعمة

والدعاء الوحيد الذي أحمله لي ولكم .. حياة كلها جهاد .. وممات كله عزة ..

فالشهادة هي منتهى .. منتهى العزة

أيمن
22 ذو القعدة, 1429 10:05 ص
بارك الله فيك أخي أحمد ... حركت والله مشاعري بعد طول ركود ... رزقني الله وإياك الجهاد والإستشهاد في غزة .... أنت قلت ((صليت ركعتين .. دعوت الله بأخلص ما دعوته به .. أن أعود .. أن أعبر إلى الضفة الأخرى ، ألا آتي إلى هنا ثانية ، إلا وقد سقطت تلك الخوذة اليهودية ، وسقط ذلك البرج الحديدي ، وهلكت تلك الأشواك السلكية ، وذهب الحزن عن تلك العيون الفلسطينية)) لكنى تمنت أن لو قلت غير ذلك فهذا قول العاجزين قول أصحاب الأعذار والمقعدون .. الذين لا يملكون سوى الأماني ... شكرا لك أيها الأديب المبدع