أبو القسام

كل ما يختلج مشاعري .. يجول في خاطري .. أسطره هنا بحبر أحمر يتلوَّن حبا .. يتدفق ثورة

تأجيــــــــــــــــــل

المرة الخامسة التى أذهب فيها إلى هذا المكان ، هى الأخيرة أيضا ، أقصد من المفترض أن تكون كذلك ، قبل أن يلمع أى ضوء فى أفق السماء يجب أن أكون منصوبا على المحطة المعاكسة .. لا أقف على هذا الجانب إلا فيما ندر ، لا تذهب بى حوافله إلى العمل أو الجامعة ، بل تبعدنى عنهما أكثر وعن كل شىء يذكرنى بالمدينة .
 
على عكس المرة الأولى لا أحمل سوى ورقة واحدة صفراء صغيرة ، كانت فى المرة الماضية ورقتان وقبلها ثلاثة ، وفى أول مرة أذهب فيها كان ملفا كبيرا ، يحوى شهادة تثبت أنه أنا ولدت فى يوم كذا ، وشهادة أخرى تثبت أنه أنا نجحت فى يوم كذا ، وشهادة ثالثة أنه أنا لم أتحامق أو أتهور وأرتكب جناية فى أحدهم - أو إحداهن طبعا - فى أى يوم من عمرى الذى هو كذا ، وأن أصابعى العشرة تلك المطبوعة على الشهادة شاهدة هى الأخرى أننى - حتى الآن - كائن مستأنس مسالم .
 
أحب الخروج فى هذا الوقت ، حيث الحياة ما زالت بكرا ، رئتك هى الأولى التى تتنفس هواء اليوم قبل أن يتعكر بأنفاس الناس ، قدمك هى الأخرى تكون أول ضيف على الأرض المنداة ، قبل أن تباغتها أشعة الشمس فتلسع رملها وحجرها ، فيطير الندى دخانا خفيفا إلى السماء ، فتحس به العصافير فتطلق زغردتها الأخيرة معلنة توقف نشيد الصباح ليحل مكانه أبواق السيارات والمكبرات ، ويبدأ نزيف الحياة .
 
قبل كل هذا أكون قد وصلت فعلا إلى المكان الذى بدأ يتوافد عليه عشرات من أقرانى المبكرين مثلى ، وقفنا أمام عسكرى البوابة - الذى لم يحسن شطف وجهه من النوم - صفا شبه واحد ، لم يهمه كثيرا انتظام الصف ، لوح بيده ، وفمه نصف مفتوح يستعد للتثاؤب : كل واحد يورينى الورقة الصافرا ويدخل على طول جنب السور فى يمين ، تأكد من أن الورقة مكتوب عليها ( المواطن المذكور عليه الحضور إلى منطقة التجنيد يوم 25 / 10 / 2008  ومعه هذا الخطاب ) ودخلنا  ..
 
على الرغم من الوقت القصير - نسبيا - الذى قضيته فى هذا المكان إلا أن مبانيه ومنشئاته وطرقاته تحمل الكثير من المواقف والذكريات ، والأشخاص الذين عرفتهم ولن أقابلهم مرة أخرى اللهم إلا مصادفة ، كل مظلة من هذه المظلات قبعنا تحتها بالساعات ينتظر كل واحد أن يسمع اسمه من عسكرى أو ضابط ينادى لينتقل إلى مرحلة أخرى ، عدد الساعات التى وقفتها فى طوابير هذه الخمسة أيام أكثر من الساعات التى قضيتها مطوبرا فى خمسة سنوات ، مرتنا هذه لم يكن طابورها طويلا ، فمرحلتنا اليوم هى آخر مرحلة ، ووقع من وقع فى المراحل الأولى ، حتى تقلصت أعدادنا إلى الخمس تقريبا .
 
جلسنا فى وداعة ننتظر تحت المظلة ، وكل يحاول أن يسلى وقته بسيجارة أو بموبايل أو بمصحف ، فضلت الأخير فلم أنه ربعا حتى جاء أحدهم يمشى بشىء من النشاط وينادى ، فرغ من الأسماء ووزع الشهادات ، وتهلل الناس وهنأ بعضهم بعضا ، ثم توجه إلى : شهادتك ناقصة ختم ، لازم نعملها من الأول ، قدامك ساعة ، ممكن تتمشى شوية لحد ما نخلص .
 
تلقيت رسالته بابتسامة قانعة ، وشرعت فى ممارسة هوايتى المفضلة فى المنطقة ، أحببت أن أذهب إلى أصعب الأماكن ، معسكر الانتقاء والتوجيه ، المظلة 4 ، حيث جلسنا أربع ساعات فى نهار الصوم ، ننتظر نتيجة " الإرجاء " والكل ما بين قارىء للقرآن وداع وواجم يبتهلون إلى الله أن يذهب عنهم غمة " التجنيد " وأن يحصلون على تأجيل ، والوحيد الذى كان لا يفعل مثلهم هو أنا كنت مغموم مثلهم ، أود الهروب مثلهم ، ولكن الهروب إلى الجيش لا من الجيش .
 
وصلت إلى المكان الذى سمعنا فيه النتيجة بعد أن قسمنا مجموعات ، هذه الأرض سجد عليها المئات والعشرات ، هذه الأرض كبر عليها زملائى وهللوا .. الله أكبر دفعة 87 تأجيــــــل ، نص أول 87 تأجــــــــيل .. هذه الأرض بكيت عليها ، لأننى لم أحصل على تأجيل مثلهم ، نعم لم أحصل على " التأجيل " الذى أريده ..
 
كنت أود أن أحصل على تأجيل من همومى .. تأجيل من حياتى التى ثقالت على .. من الأعمال التى تنوء بالعصبة أولى القوة هيهات أن تأت .. تأجيل من الناس .. منهن أكثر منه منهم .. تأجيل من الحب الذى لا يعطيك سوى أشواكه .. من وجهها الساحر من عينيها القاتلة .. من النظرات من البسمات من الكلمات من التحفظات من الفكيرات .. تأجيل من الذنوب من الآثام .. من السير فى الشارع والاجتهاد فى غلق البصر .. من الشاشات والأجهزة .. من التلفاز من اللاب توب من الموبايل .. من الياهو والهوت والفيس بوك .. من المدونات والتدوينات والتعليقات .. تأجيل من الأنشطة والمناصب والأوسمة .. تأجيل لرئيس كذا ، وعضو هنا ، ومقرر هناك .. تأجيل من الهندام والارتسام .. من المرآة والكاميرا .. من ربطة العنق ولمعة الحذاء .. من تصفيف الشعر ووضع العطر ..
 
تأجيل ليرتاح عقلى قليلا .. ليهدأ قلبى حينا .. لألتقط أنفاسى .. لأرتب أوراقى ، لكى أتوسد ولو لليلة واحدة وأنها خلو من هذه أو تلك .. وأصحو ليوم واحد وأنا لا أحمل هم هذا أو ذاك ، كل ما على فعله هو أن أنفذ الأوامر بلا تفكير ، بلا عاطفة ، أقف فى الطابور ، أحرك جسدى الراكد ، أستنشق هواء الصحراء ، آكل من أديم بسيط وقد يكون رديء ، أنام على فرش خشن غليظ ، أنادى بصفة واحدة تتساوى مع جميع صفى " دفعة " .. أشعر ولو ليوم واحد أننى إنسان عادى .. ليس مطلوب منى أن أفعل فوق ما تفعله فصيلتى .
 
بالطبع لم يفهم أحد من زملائى هذه النظرة العابسة على وجهى بعد سماع النتيجة ، قال لى أحدهم : أخيرا سننتظم فى عمل ، وسنكسب ، ولن يعطلنا الجيش ، قلت له : أعمل منذ أربعة أعوام ، وكنت فقط أحتاج إلى راحة من عملى هذا ، لكن للأسف لم آخذ تأجيلا ، قال لى الآخر وهو يهم بضرب رقم على هاتفه : كلهم ينتظرون على نار ليعرفوا الخبر ، أليس لك من تنتظر لتخبره بالنبأ السعيد ليفرح لك ، قلت له : بالطبع لى ، أقصد كان من المفترض أن يكون لى ، كنت أود أن أخبرها به لتفرح ، لكنها ليست معى ، فعلام التأجيل إذن .. علام التأجيل .
 
---
 
مضت الساعة بطيئا أكثر مما أتصور ، بدأت أتزمر ، ذهبت إلى العسكرى وهممت أن أستحثه ولكن : كل شىء تمام تفضل هذه شهادتك ، ونأسف على التأخيــــــر .
 
نظرت إليها ..  أريد أن أرى تلك الكلمة التى يتغنون بها .. أنا أيضا أتغنى بها على طريقتى .. ليس مهم ، على الأقل أكون قد أخذت تأجيلا ولو من شىء واحد فى حياتى هذه .. ( الاسم واللقب .. تاريخ الميلاد ورقم البطاقة .. كود القرار .. رقمه وتاريخ صدوره ) أستعد لقراءة القرار .. ( المواطن المذكور وضع " تحت الطلب " لمدة ثلاث سنوات اعتبارا من 15 / 10 / 2008 إلى 14 / 10 / 2011 وعليه تقديم نفسه عند طلبه للتجنيد خلال هذه المدة ) انتهت الورقة ولم أر التاء ولا الهمزة ولا الـ " جيل " .. أخذت نفسى ضحكات عنيفة .. هستيرية مخيفة .. صرخت : أين التأجيل أين ؟ قهقهت لا أراها هنا .. ولا أراها فى حياتى ، فمتى أراها قليلا .. ولو مرة .. أخذت أضحت ثانية فى دهشة عارمة .. تحت الطلب .. تحت الطلب !
 
منذ متى وأنا تحت الطلب ؟ .. منذ متى وأنا لست تحت الطلب ! .. أنا تحت الطلب فى كل وقت .. أنا تحت الطلب من كل أمر .. عقلى دائما تحت الطلب .. قلبى تحت الطلب .. وبعدما توهمت أننى أخذت - من التجنيد فقط - تأجيلا .. أصبحت منه أيضا تحت الطلب .. 


أضف تعليقا

مطالب العلا من مصر
27 شوال, 1429 11:30 م
تأجيل

عندما وقع نظرى على هذا العنوان علمت أنك تتحدث عن تأجيل التجنيد لابل علمت ما وراء هذه الكلمةالتى ينتظرهاالجميع بفارغ الصبر لكى تحقق السعادة لهم ولو قليلا وتحقق لك التعاسةكثيرا
بالفعل علمت بذلك اول ما قراتها وذلك لما دار من حوار بيننا من سنة وشهرين تقريبا عندما كنت تتمنى تاجيل التجنيد من اجل ان تحقق حلم الخطوبة

غريبة الدنيا دى تجعلنا نتمنى تحقيق اشياء فى الحال قد نبغضها فى المستقبل

يمكن تكون الكلمة مؤلمة بالنسبة لك لانها كانت مرتبطة بحلم مات
ولكنها فى وجهة نظرى سعيدة جدا مشوبة بقليل من الحزن وذلك لما ياتى
سعيدة جدا
اولا لان الحب من ضمن احلامك وليس كل احلامك
ثانيا لعله خير من يعلم الغيب (لعل الله يرزقك بخير منها قريبا)
ثالثا لانها تجعلك تحقق حلمك فى الكلية (نموذج مجمع اللغة العربية) يا رئيس النموذج
رابعا تحقيق احلامك فى الثورة
خامساقد قلت من قبل ان تخطيتك للمستقبل يشعرك بالسعادة فهل تريد ان تترك عملك واحلامك عام كامل

حزينة قليلا

لانك خلاص انتهيت من اصعب فترة تمر على الانسان عندما يموت حلمه فقط كلمة التاجيل جعلتك تتذكر الفترة الزمنية المرتبطة بالحبيب والتاجيل
ثانيا لاننى كما قلت لعل الله يرزقك بخير منها ووقتها ستشعر باهمية تلك الكلمة ولان عجلة الحياة لن تتوقف ابدا وانك لامحال سترتبط بغيرها قريبا وذلك لانك لن تستطيع العيش بدون طاقة (الحب)


الف مبروك وحظ سعيد مع تحقيق حلم جديد
مسلمة من مصر
02 ذو القعدة, 1429 01:01 ص
كم هى حزينة كلماتك
قاسية لمن مر بها باختلاف شكل التأجيل ليس أكثر
و لكن مازال امامك فرصة ان تنفرد بيوم دون موبايل دون مؤتمر دون عطر دون هى
ان يعطى الانسان لعقله اجازة و لو لمدة 12 ساعة فقط ليس عيبا و ليس تقليلا من قدرة او قيمة هذا الانسان او ما يفعله
بل افعاله تحتاج هى ايضا الى تأجيل حتى و لو لمدة بسيطة , 12 ساعة تقريبا كافية , حتى لا تتحول هذه المهام الى اعمال و كانك تحت الطلب لها
ان ما تشعر به شعور قد يحتاجة اى شخص خاصة و ان كان هذا الشخص يقوم فعلا بكثير من المهام , فتأتى عليه لحظات يشعر فيها انه يريد لبعض الهدوء العقلى و النفسى ليس اكثر
لعلها تكون لحظات هدوء بعدها انطلاقة قد لا تكون مختلفة عما فاتها و لكن على الاقل مختلفة الروح
اما عن تأجيل الجيش فى حد ذاته فلا اراك حزينا عليه بقدر ما انت حزين على الهروب اليه
اما هذه الضحكات الاخيرة فأعلم قسوتها
اعلم مدى سخريتها و مدى المها
و لكن بالرغم من ذلك الا انها تطهر النفس من اشياء و تمحو اشياء و تبصرك بأشياء
مبروك للتأجيل و لعله خيرا كما قالت اختى مطالب العلا
مبروك للتاجيل و تمتع بتلك اللحظات,فالعله وقت اضافى لتحقيق مزيد من الانجازات لك
اسعدك الله بجميع وقتك
حاتم من مصر
02 ذو القعدة, 1429 08:43 م
لله درك شكسبيريا لما يتشكبر، هكذا نحتها، كوميديا سوداء محكمة هكذا توصف، وهكذا توصف - أعني هي وأنت - وعلى كل، فمرغوبك في صدرك يا مستأجل، تذكرني الرجل يضيع مفاتيحة في الظلام وينفق وقته بحثا عنها في المكان المضيء، ذلك أن مكان فقدها كان مظلما، أنى له أن يصل.
ثمة التأجيل يا مستبطل أمتك لا يكون لأمثالك فالتأجيل مرفوض شرعا وحرام على مذهبي، وأنت الرجل تحكم على الدنيا القبضة لا العكس، هكذا عهدتك يا أحمد فلا تغيرن ما يأتي بسوء ما مضى، ثمت دعك من كلام عن يوم بلا موبايل ولا موتمر وعطر و ...و... اللهم صلي على الموبايل!!
لم تفهمك السيدة، فالحق أن الإجازة من شيم العظماء ولا أراك قصرت في حق نفسك في هذه، لكن التأجيل مطلب أربأ بك عنه.
والآن استنشق الحياة بكرا كما وصفت، واضرب بعزمك راشدا راجلا واخلع عنك أذيالا تعلقها بظهرك لتعطلك وحسب، أو آخبرك، اذهب للجيش فما زالوا يقبلون المتطوعين فلا ينفك التأجيل مستطاعا، إن أردت.
مسلمة من مصر
03 ذو القعدة, 1429 11:10 م
اممممممممممممممم؟!!!!!!!!!!
اود ترك تعليق طويل و لكنى سأتركه الان ليس لانى ليس لدى متسع من الوقت و لكن حتى لا اتبع هوى النفس فى الرد و الكتابة فقط
فمن القوة ان تترك ما تريده من الهوى , فان عجزت نفسك فالله لن يتركك هكذا
و من القوة ان تستمر بالرغم مما كنت تريد عكسه , و اذا تطوعت حاليا حتى و لو الباب مفتوحا سيكون هذا هو قرار التاجيل بعينه و لكن بيدك!!!!!!!!!!!!!
hamsa1989 من مصر
04 ذو القعدة, 1429 02:59 م
مبروك التاجيل وان شاء الله يكون خير ليك


حضرتك مش موجود من فتره ليه
aboalqassaam من مصر
10 ذو القعدة, 1429 06:33 م
لا غرو أن تعلمى - من مجرد النظر للعنوان - عما أتحدث وفيم أتحدث ، وأنت الحفيظة على كل حرف أسطره هنا ، ولكن بغض النظر عن الأحلام المرتبطة بالتجنيد سلبا وإيجابا ، فإن الهواجس المرسومة فى اللوحة القصصية - أعلاه - هى هواجس حقيقية أردت أن أتخلص منها بالتجنيد .

والحياة الفريدة التى يمكن أن تمنحها لك هذه الفترة لن أجد لها شبيها فى أى وقت أو مكان آخر ، لذا فهى جديرة بالنظر - أو إعادة النظر - والمراجعة .

وأخيرا فإنى لا أنكر أننى الآن أمارس شيئا من السعادة بشكل مختلف على طريق تحقيق أحلام الثورة ، واجترار أيام الحب ، وأستعير من قلوب من حولى سعادات أقتات بها حتى أصل ، فالأحلام لا تأتى بالجديد إنما فقط تتجدد .
aboalqassaam من مصر
10 ذو القعدة, 1429 06:40 م
عندما يكون الانفراد يوما بلا كل ملحقات الإزعاج المادية اختيارا غير ما يكون اضطرارا ، ففى حالة الاختيار قد يضيع عليك شىء إن علمته حزنت وندمت ، أما فى حالة الاضطرار -التجنيد - فأنت مستسلم تماما ، مسترخ تماما ، تترك مشاكلك ، ونجاحاتك على أبواب معسكرك ، لأنها لن تذهب إلى شخص آخر ، ستنتظرك عند خروجك لا محالة ، فلا داع لأن تفكر فيها ، وعلى كل فأنا أطبق فعلا ما تقولين .

لا أقول لعل التأجيل خيرا ، بل هو خير فعلا بإذن الله ، كل ما أردت قوله من هذا العمل القصصى هو الصرخة الأخيرة التى أطلقها فى صحراء بعيدة قد وقفت على أطرافها بعد سفر فى فيافيها طويل و ستظل تحتفظ بصداها حينا من الدهر بعيد .