المرة الخامسة التى أذهب فيها إلى هذا المكان ، هى الأخيرة أيضا ، أقصد من المفترض أن تكون كذلك ، قبل أن يلمع أى ضوء فى أفق السماء يجب أن أكون منصوبا على المحطة المعاكسة .. لا أقف على هذا الجانب إلا فيما ندر ، لا تذهب بى حوافله إلى العمل أو الجامعة ، بل تبعدنى عنهما أكثر وعن كل شىء يذكرنى بالمدينة .
على عكس المرة الأولى لا أحمل سوى ورقة واحدة صفراء صغيرة ، كانت فى المرة الماضية ورقتان وقبلها ثلاثة ، وفى أول مرة أذهب فيها كان ملفا كبيرا ، يحوى شهادة تثبت أنه أنا ولدت فى يوم كذا ، وشهادة أخرى تثبت أنه أنا نجحت فى يوم كذا ، وشهادة ثالثة أنه أنا لم أتحامق أو أتهور وأرتكب جناية فى أحدهم - أو إحداهن طبعا - فى أى يوم من عمرى الذى هو كذا ، وأن أصابعى العشرة تلك المطبوعة على الشهادة شاهدة هى الأخرى أننى - حتى الآن - كائن مستأنس مسالم .
أحب الخروج فى هذا الوقت ، حيث الحياة ما زالت بكرا ، رئتك هى الأولى التى تتنفس هواء اليوم قبل أن يتعكر بأنفاس الناس ، قدمك هى الأخرى تكون أول ضيف على الأرض المنداة ، قبل أن تباغتها أشعة الشمس فتلسع رملها وحجرها ، فيطير الندى دخانا خفيفا إلى السماء ، فتحس به العصافير فتطلق زغردتها الأخيرة معلنة توقف نشيد الصباح ليحل مكانه أبواق السيارات والمكبرات ، ويبدأ نزيف الحياة .
قبل كل هذا أكون قد وصلت فعلا إلى المكان الذى بدأ يتوافد عليه عشرات من أقرانى المبكرين مثلى ، وقفنا أمام عسكرى البوابة - الذى لم يحسن شطف وجهه من النوم - صفا شبه واحد ، لم يهمه كثيرا انتظام الصف ، لوح بيده ، وفمه نصف مفتوح يستعد للتثاؤب : كل واحد يورينى الورقة الصافرا ويدخل على طول جنب السور فى يمين ، تأكد من أن الورقة مكتوب عليها ( المواطن المذكور عليه الحضور إلى منطقة التجنيد يوم 25 / 10 / 2008 ومعه هذا الخطاب ) ودخلنا ..
على الرغم من الوقت القصير - نسبيا - الذى قضيته فى هذا المكان إلا أن مبانيه ومنشئاته وطرقاته تحمل الكثير من المواقف والذكريات ، والأشخاص الذين عرفتهم ولن أقابلهم مرة أخرى اللهم إلا مصادفة ، كل مظلة من هذه المظلات قبعنا تحتها بالساعات ينتظر كل واحد أن يسمع اسمه من عسكرى أو ضابط ينادى لينتقل إلى مرحلة أخرى ، عدد الساعات التى وقفتها فى طوابير هذه الخمسة أيام أكثر من الساعات التى قضيتها مطوبرا فى خمسة سنوات ، مرتنا هذه لم يكن طابورها طويلا ، فمرحلتنا اليوم هى آخر مرحلة ، ووقع من وقع فى المراحل الأولى ، حتى تقلصت أعدادنا إلى الخمس تقريبا .
جلسنا فى وداعة ننتظر تحت المظلة ، وكل يحاول أن يسلى وقته بسيجارة أو بموبايل أو بمصحف ، فضلت الأخير فلم أنه ربعا حتى جاء أحدهم يمشى بشىء من النشاط وينادى ، فرغ من الأسماء ووزع الشهادات ، وتهلل الناس وهنأ بعضهم بعضا ، ثم توجه إلى : شهادتك ناقصة ختم ، لازم نعملها من الأول ، قدامك ساعة ، ممكن تتمشى شوية لحد ما نخلص .
تلقيت رسالته بابتسامة قانعة ، وشرعت فى ممارسة هوايتى المفضلة فى المنطقة ، أحببت أن أذهب إلى أصعب الأماكن ، معسكر الانتقاء والتوجيه ، المظلة 4 ، حيث جلسنا أربع ساعات فى نهار الصوم ، ننتظر نتيجة " الإرجاء " والكل ما بين قارىء للقرآن وداع وواجم يبتهلون إلى الله أن يذهب عنهم غمة " التجنيد " وأن يحصلون على تأجيل ، والوحيد الذى كان لا يفعل مثلهم هو أنا كنت مغموم مثلهم ، أود الهروب مثلهم ، ولكن الهروب إلى الجيش لا من الجيش .
وصلت إلى المكان الذى سمعنا فيه النتيجة بعد أن قسمنا مجموعات ، هذه الأرض سجد عليها المئات والعشرات ، هذه الأرض كبر عليها زملائى وهللوا .. الله أكبر دفعة 87 تأجيــــــل ، نص أول 87 تأجــــــــيل .. هذه الأرض بكيت عليها ، لأننى لم أحصل على تأجيل مثلهم ، نعم لم أحصل على " التأجيل " الذى أريده ..
كنت أود أن أحصل على تأجيل من همومى .. تأجيل من حياتى التى ثقالت على .. من الأعمال التى تنوء بالعصبة أولى القوة هيهات أن تأت .. تأجيل من الناس .. منهن أكثر منه منهم .. تأجيل من الحب الذى لا يعطيك سوى أشواكه .. من وجهها الساحر من عينيها القاتلة .. من النظرات من البسمات من الكلمات من التحفظات من الفكيرات .. تأجيل من الذنوب من الآثام .. من السير فى الشارع والاجتهاد فى غلق البصر .. من الشاشات والأجهزة .. من التلفاز من اللاب توب من الموبايل .. من الياهو والهوت والفيس بوك .. من المدونات والتدوينات والتعليقات .. تأجيل من الأنشطة والمناصب والأوسمة .. تأجيل لرئيس كذا ، وعضو هنا ، ومقرر هناك .. تأجيل من الهندام والارتسام .. من المرآة والكاميرا .. من ربطة العنق ولمعة الحذاء .. من تصفيف الشعر ووضع العطر ..
تأجيل ليرتاح عقلى قليلا .. ليهدأ قلبى حينا .. لألتقط أنفاسى .. لأرتب أوراقى ، لكى أتوسد ولو لليلة واحدة وأنها خلو من هذه أو تلك .. وأصحو ليوم واحد وأنا لا أحمل هم هذا أو ذاك ، كل ما على فعله هو أن أنفذ الأوامر بلا تفكير ، بلا عاطفة ، أقف فى الطابور ، أحرك جسدى الراكد ، أستنشق هواء الصحراء ، آكل من أديم بسيط وقد يكون رديء ، أنام على فرش خشن غليظ ، أنادى بصفة واحدة تتساوى مع جميع صفى " دفعة " .. أشعر ولو ليوم واحد أننى إنسان عادى .. ليس مطلوب منى أن أفعل فوق ما تفعله فصيلتى .
بالطبع لم يفهم أحد من زملائى هذه النظرة العابسة على وجهى بعد سماع النتيجة ، قال لى أحدهم : أخيرا سننتظم فى عمل ، وسنكسب ، ولن يعطلنا الجيش ، قلت له : أعمل منذ أربعة أعوام ، وكنت فقط أحتاج إلى راحة من عملى هذا ، لكن للأسف لم آخذ تأجيلا ، قال لى الآخر وهو يهم بضرب رقم على هاتفه : كلهم ينتظرون على نار ليعرفوا الخبر ، أليس لك من تنتظر لتخبره بالنبأ السعيد ليفرح لك ، قلت له : بالطبع لى ، أقصد كان من المفترض أن يكون لى ، كنت أود أن أخبرها به لتفرح ، لكنها ليست معى ، فعلام التأجيل إذن .. علام التأجيل .
---
مضت الساعة بطيئا أكثر مما أتصور ، بدأت أتزمر ، ذهبت إلى العسكرى وهممت أن أستحثه ولكن : كل شىء تمام تفضل هذه شهادتك ، ونأسف على التأخيــــــر .
نظرت إليها .. أريد أن أرى تلك الكلمة التى يتغنون بها .. أنا أيضا أتغنى بها على طريقتى .. ليس مهم ، على الأقل أكون قد أخذت تأجيلا ولو من شىء واحد فى حياتى هذه .. ( الاسم واللقب .. تاريخ الميلاد ورقم البطاقة .. كود القرار .. رقمه وتاريخ صدوره ) أستعد لقراءة القرار .. ( المواطن المذكور وضع " تحت الطلب " لمدة ثلاث سنوات اعتبارا من 15 / 10 / 2008 إلى 14 / 10 / 2011 وعليه تقديم نفسه عند طلبه للتجنيد خلال هذه المدة ) انتهت الورقة ولم أر التاء ولا الهمزة ولا الـ " جيل " .. أخذت نفسى ضحكات عنيفة .. هستيرية مخيفة .. صرخت : أين التأجيل أين ؟ قهقهت لا أراها هنا .. ولا أراها فى حياتى ، فمتى أراها قليلا .. ولو مرة .. أخذت أضحت ثانية فى دهشة عارمة .. تحت الطلب .. تحت الطلب !
منذ متى وأنا تحت الطلب ؟ .. منذ متى وأنا لست تحت الطلب ! .. أنا تحت الطلب فى كل وقت .. أنا تحت الطلب من كل أمر .. عقلى دائما تحت الطلب .. قلبى تحت الطلب .. وبعدما توهمت أننى أخذت - من التجنيد فقط - تأجيلا .. أصبحت منه أيضا تحت الطلب ..












27 شوال, 1429 11:30 م