يمثل هذان اليومان مجتمعان نصرا مؤزرا للدولة المصرية ، صحيح أنه كان أيضا مؤقتا وانتزعت حلاوته بعد فترة قصيرة جدا بل زادت مرارته بعدها كثيرا ، إلا أن هذين اليومين الآن يمثلان فعلا كارثة حقيقية فى الانتكاس عن نقطة حرب 73 .
لقد خرج الجيش المصرى فى حرب أكتوبر وهدف قيادته الواضح والصريح ليس تلقين اليهود درسا لا ينسوه ، ولا الثأر للهزيمة ، ولا تحرير القدس ، بل كان الهدف هو فقط إعادة السيادة المصرية على أرض سيناء ، وهذا الهدف نفسه هو الذى جعل الرئيس السادات نفسه يوقف العمليات بعد 6 ساعات فقط من بداية المعركة ، ويعلن لمناحم بيجن أن القوات المصرية لن تتقدم أكثر من ذلك ، مما تسبب فى خطيئة استراتيجية وحربية بالغة أدت على أرض الواقع إلى ثغرة الدفرسوار ، وعلى المدى البعيد إلى سلسلة ليست لها نهاية من المفاوضات والاتفاقيات التى أثبتت أن أرض سيناء عادت إلى مصر ، ولكن حبرا على ورق !
من يذهب إلى أى مدينة مصرية خالصة فى سيناء سيشعر بذلك ، مثل القنطرة شرق أو العريش ورفح وغيرها من المدن ، مدن معدومة الإمكانياتات ، طاردة للسكان ، غير قابلة للتطور السريع ، أما مدن سيناء الأخرى ( الغردقة - شرم ) فهى مدن مدولة ، هى فقط وقف للسياحة والسائحين ، وليس للمصريين حق فيها اللهم إلا من فتات المائدة .
إذن فقد عادت السيادة حبر على ورق ، أى أن على مصر إدارة " قطاع سيناء " وليس عليها تنميته لصالحها ، ولا زراعته واستصلاح أراضيه ، ولا حتى حمايته ، فإن سيناء ليس بها جيشا ، وأقرب جيش إلى قلب سيناء هو الجيش الإسرائيلى لا الجيش المصرى .
كل هذا يمكن أن تشعر به من بعيد كأى مواطن مصرى ، لكن احتكاكى مؤخرا بهذا الجزء من الوطن ( وعندما أذكر الوطن لا أقصد مصر بالطبع ) جعل هذه الحقائق تبرز أمامى بشكل فج ، وتتقبح يوما بعد يوم ، ففى العاشر من رمضان لهذا العام ( أى منذ ثلاثة أسابيع تقريبا ) خرجت قافلة مصرية إغاثية سياسية لكسر الحصار المفروض على الشعب الفلسطينى ، والذى يتمتع بالسيادة الكاملة على جزء من أراضيه وهو قطاع غزة ، ولكن للأسف لم تمض القافلة إلى أبعد من بوابة محافظة الإسماعيلية ، وتم توقيفهم كما لو كنا يهودا سيعبرون لسلب سيناء ، ورغم غلق الطريق عدم مرات كعمل احتجاجى ، ثم الاعتصام فى المكان لمدة فاقت ستة عشر ساعة ، ووصول عدة قوافل على رأسها رموز قضائية ونواب ، رغم كل هذا لم تفلح القافلة فى التقدم شبرا واحدا ، أى لم تفلح جماعات وأحزاب وحركات المعارضة ، ومنظمات وهيئات ورجال المجتمع المدنى مجتمعين فى التأثير على القرار الأمنى بالوصول إلى رفح أو الاقتراب من سيناء !
ومع قرار كل هؤلاء بمعاودة الكرة تتبدى الفاجعة بشكل مأساوى أكثر ، فالأمس كان يوم السادس من أكتوبر ، يوم بطولة قواتنا الباسلة من أمن الدولة فى السيطرة الكاملة والتامة على الوضع فى كافة محافظات القاهرة حيث تم إجهاض القافلة الثانية المكونة من عشرين حافلة و400 سيارة خاصة ، وتم إغلاق نقطة التجمع الرئيسية فى قلب القاهرة بمئات من عناصر الأمن المركزى والوقائى ورجال الشرطة والمخابرات والمرور ، كل عناصر الشرطة تعاونت بشكل مكثف فى السيطرة التامة على الوضع وانتشرت الكمائن على الطرق المؤدية إلى الإسماعيلية والعريش ورفح ، وبحلول منتصف النهار لم يكن هناك أى شخص مشارك فى القافلة - أيا كان موقعه من أول محمد عبد القدوس الذى لم يغادر نقابة الصحفيين ، إلى مجدى حسين على بوابة صلاح الدين فى رفح - إلا وهو موقفوف أو محتجز أو محاصر ، وتصل الدناءة برجال الأمن البواسل إلى مساومة رموز الحملة البرلمانية والقضائية على تفريق الناس فى مقابل الإفراج عن الرهائن المحتجزين لديها ، وكانت حصيلتهم وقتها فى حدود الأربعين رهينة !
وأكثر من ذلك فقد تم منع أى مواطن لا يحمل بطاقة خارجة من سبناء أو تفيد إقامته هناك من عبور كوبرى " السلام " ، وبالتالى أى حافلة سياحة داخلية قد تم توقيفها ، وساء أكانت تحمل نشطاء فى القافلة أو لا تحمل ، وهذا فى الوقت الذى تمر فيه مرور البرق حافلات " دهب للسياحة " وهى تحمل أفواج السائحين اليهود ، ليس هذا فقط بل تتقدمها سيارة شرطة تطلق السرينة كى تعلن للمارة : وسع وسع أسيادكم وصلو !
بعد كل هذا أى عقل يقول أن " سينا رجعت تانى لينا " .. أقولها واضحة للنظام المصرى الخائن العميل فى ذكرى السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان ، لقد أصبحت سيناء أرض دولية ذات سيادة إسرائيلية بإدارة مصرية .. ولله الأمر من قبل ومن بعد .










08 شوال, 1429 07:22 ص